|
جلسة خاصة بالوضع في
العراق
24 مارس 2003
كلمة السيد كريم يونس
رئيس المجلس الشعبي الوطني
بسم الله الرحمن الرحيم
أيتها السيدات، أيها السادة،
وأنا أفتتح هذه الجلسة التي يقدر كل نائب حاضر هنا طابعها الخاص والحسّاس
والاستثنائي، تساءلت كيف يمكن لنا أن نقاسم مشاعر الشعب العراقي الشقيق وكيف يمكن
لنا أن نعبّر له، من هذا المقام عن تضامننا العميق والمتحمس معه، في الوقت الذي
يواجه فيه المأساة والتدمير، وأمام هذا الوضع الاستثنائي، لا يسعنا إلا أن نستجيب
بمبادرات استثنائية.
وعليه، أدعوكم، زميلاتي زملائي، إلى التقرب بمشاعر التضامن والتورّع مع الشعب
العراقي بسماع إلى النشيد الوطني.
أيتها السيدات، أيها
السادة،
نجتمع اليوم في جلسة خاصة لتدارس ومناقشة الأوضاع في العراق بعد الاعتداء
الذي تشنه منذ يوم الخميس الماضي، القوات الأمريكية والبريطانية ضد هذا البلد
الشقيق.
إن اجتماعنا هذا يأتي كما تعلمون بقرار من مكتب مجلسنا الذي رأى أن أضعف الإيمان
يقتضي أن يعبّر ممثلوا الشعب الجزائري، عن تضامن الجزائر مع الشعب العراقي الشقيق
الذي يعيش حاليا ساعات جد عصيبة ومؤلمة من جراء حرب ظالمة وغير مشروعة فرضت عليه
تحت غطاءات وذرائع إن تعددت فإنها لم تقنع ولن تقنع أحدا.
وبالفعل فكلنا نعرف وندرك أن هذه الحرب ضد العراق تفتقد لأدنى شروط المشروعية
زيادة على أنها ظالمة من الناحية الأخلاقية.
ويكفي في هذا المقام أن نذكر أن المعتدين لجؤوا إلى استعمال القوة بعد أن
اتضح جليا أن مجلس الأمن، الذي خوّل له ميثاق الأمم المتحدة مسؤولية الحفاظ على الأمن
والسلم الدوليين، لن يزكي تدخلا عسكريا وذلك لسبب واحد هو أنه بدا واضحا أن العراق
قد نفذ كل ما جاء من التزامات في اللائحة رقم 1441.
بخصوص الأسباب التي يدّعي بها التحالف للاعتداء على العراق.
في الحقيقة، إن تقنيات الاستكشاف التي تتوفر عليها الوكالة الدّولية للطاقة
الذرّية بفيينا جدّ متطوّرة وتسمح باكتشاف، من بين ما تسمح به، وجود كلّ المواد
النووية على نطاق 50 كيلومتر حول النقطة التي تكون قد أخذت منها عيّنات من الماء أو
التربة أو النبات أو الهواء.
إن تطبيق هذه التقنيات من قبل مفتّشي الوكالة الدّولية للطّاقة الذرية، عقب
حرب الخليج الأولى، في إطار لوائح مجلس الأمن الأممي، بالإضافة إلى التصريحات
الطوعية التي قدّمها العراق بخصوص الوضعية المتصلة بالجرد المادّي، سمحت بمراقبة
كلّ التجهيزات وإزاحة الستار عنها وتدميرها وبتوقيف كلّ نشاطات العراق النووية التي
قد تفضي إلى تطبيقات عسكرية، طبقا لأحكام المعاهدة المتضمنة عدم نشر الأسلحة
النووية ولاتفاقات الضمانات المعمّمة والمعزّزة المرتبطة بتلك المعاهدة.
وبالتالي، كان من المتوقّع ألاّ تجد فرقة المفتشين الجديدة التي أوفدتها منذ أشهر
الوكالة الدّولية للطاقة الذريّة بطلب من مجلس الأمن، إلاّ ما كان معروفا من قبل،
وتمّ تدميره وتفكيكه أو وضعه تحت المراقبة الدّائمة، في إطار اتفاقات الضمانات.
وبالفعل، لم يجد المفتشون ما يشكّل خرقا لمعاهدة عدم نشر الأسلحة النووية.
وإذن، فإن الإصرار والتأكيد على أن العراق يتولّى تنفيذ برنامج لصنع الأسلحة
النووية أو الادّعاء بأن تكون له نوايا عملية في هذا الاتجاه لا يعني سوى طرح
فرضيات بعيدة الاحتمال، فرضيات اعتبرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، ولا زالت
تعتبرها، غير مؤسّسة، بالنّظر إلى احترافية المختصّين ذوي الكفاءة العالية الذين
أوفدتهم إلى الميدان ونزاهتهم والنتائج التي توصّلوا إليها.
والأمر نفسه ينطبق على الأسلحة الكيماوية والبكتريولوجية التي يتهم العراق
بصناعتها وامتلاكها، في حين أن النتائج التي توصل إليها المفتشون الأمميون المكلفون
بالبحث تنفي وجود أي نشاط مناقض في هذا المجال.
فكيف لنا ألاّ نعتقد أن الأمر مجرّد ذريعة ؟
أيتها السيدات، أيها السادة،
هل يعقل أن تضرب كل القوانين
والأعراف الدولية عرض الحائط ليحل منطق القوة محل العدل ومساواة الشعوب والدول
وتبقى الدول العربية مكتوفة الأيدي من هذه الأحداث ؟
وهل يعقل أن تنفرد دولة واحدة أو دولتان بالقرار وأن تفرض وجهة نظرها رغم
وقوف المجتمع الدولي بأكمله من حكومات ومنظمات وبرلمانات ومجتمعات وهيئات دولية...
إلى آخره، ضد منطق الحرب الذي يأخذ بالإنسانية إلى الوراء ويرجعها إلى ما كانت عليه
منذ قرون خلت، وذلك في الوقت الذي نحن في أمس الحاجة إلى تقارب أكثر وتفاهم بين
الشعوب والأمم من أجل إحلال السلم والأمن والاستقرار على وجه المعمورة ؟
وهل يعقل أن تتدخل قوات أجنبية في الشؤون الداخلية لدولة ما بذريعة أن قيادة
هذه الدولة لم تنفذ لوائح الأمم المتحدة في الوقت الذي يتحدى فيه عضو آخر كل المجتمع
الدولي بخرقه الفادح لكل القوانين والأعراف الدولية، وتضرب يوميا أمثلة لاستهانتها
لأبسط القواعد التي تضبط العلاقات الدولية ؟ هل يراد تجريد الشعب العراقي من ترسانة
لا يملكها بالتأكيد، أو هل يراد تجريده حتّى من إرادة الوجود ؟ هل يجب أن يدمّر المتحالفون
هذا البلد لأنّه مهد أكبر وأعرق الحضارات التي سطعت على العالم ؟ هل يجب أن يدمّر المتحالفون
هذه الأرض لأنّها أعطت الإنسانية أولى كتابتها، وهي الكتابة المسمارية ؟
هل يجب أن يهاجم التحالف هذا البلد لأنّه أهدى لتاريخ الكون وجوها أسطورية في
منزلة حمّورابي
( HAMMOURABI) وأسور نازربال (ASSURNAZIRPAL) وأسور بانيبال(ASSURBANIPAL)
ونابيكو دونوزور (NABUCHODONOSOR ) والحسن والحسين وهارون الرّشيد وسلالات شهيرة
كالسلالات السّومرية والآشورية والبابلية والسّاسانية وسلالات الأمويين والعبّاسيين
؟ ألا تكمن الغاية من القصف الذي استهدف البارحة متحفا في بغداد في سلب شعب من
ذاكرته التاريخية ؟ أليس الغاية الدنيئة من القصف الذي استهدف البارحة جامعة عراقية
هي سلب مصادر المعرفة لبلد كان قديما مهدا فريدا لإشعاع المعرفة والعلم على العالم
؟
ما هي المفخرة وما هو المجد المستهدف من إلقاء آلاف القنابل المدمّرة على شعب
وعلى نسائه وشيوخه وأبنائه وعلى سكّانه المدنيين الأبرياء ؟
ما هي هذه الديمقراطية، وما هي هذه المبادئ الديمقراطية العصرية التي ينتزع باسمها
الحق للهجوم، على سبيل الوقاية، على بلد باختراق حدوده وعلى شعبه بإهانته وإبادته
وعلى ثرواته من خلال مصادرتها وعلى منشآته بواسطة تدميرها ؟
ما هذا الشكل الجديد للديمقراطية التي يراد إحلالها في مطلع هذا القرن الواحد
والعشرين، ديمقراطية الدبّابات والطّائرات الهجومية والمقنبلات وحاملات الطّائرات
والمدمّرات والصّواريخ ؟
ما هذا الشكل الجديد الذي تتّخذه الديبلوماسية، ديبلوماسية لا تعبير لها سوى
القوّة الشرسة ولا برهان لها سوى صواريخ توماهاوك ؟
ما هذه الشرعية الجديدة في الألفية الجديدة، شرعية الّلاشرعية وشرعية الظلم التي
تتجسّد من خلال الاستعمال الأعمى والوحشي واللاّأخلاقي للقوة المسلّحة ضدّ بلد عضو
في مجموعة الأمم ؟
إن غزو العراق يشكّل سابقة جدّ خطيرة في تاريخ العلاقات بين الدّول، منذ أن
تزوّدت المجموعة الدّولية، غداة الحرب العالمية الثانية، بمنظمّة الأمم المتّحدة
وبمجلس للأمن.
إن غزو العراق يمثّل من هذا المنظور اختراقا فادحا لأحكام ميثاق سان
فرانسيسكو، اختراق اقترفه أصحاب الأمانة أنفسهم. ويبقى هذا الغزو غير شرعي ولا أخلاقي
من حيث أنّه يكرّس العودة إلى أزمنة ظنّ الجميع أنّها ولّت، أزمنة كانت للقوّة والتّفرقة
فيها الأسبقية على الحق والمساواة بين الشّعوب.
أيتها الأخوات، أيها الإخوة،
إن التطورات الحالية التي
تعرفها الساحة العراقية من جراء تكالب قوى العدوان يستوقف ضمائر كل القوى المحبة
للسلام والعدل والحرية. وهي تطرح إشكالية جدوى نظام الأمن المشترك الموروث عن الحرب
العالمية الثانية فما الفائدة من مواصلة العمل بميثاق دولي يخرق كلما رأى هذا أو
ذاك أن مصالحه تقتضي بتجاوز ما اتفق عليه بين الدول ؟ ألم يحن الوقت لكي تفكر الدول
العربية في تنظيم علاقاتها في إطار أكثر فعالية بما يتماشى أكثر مع التحديات
المفروضة على شعوبنا وذلك بإعادة النظر في الآليات التي تحكم سير الجامعة العربية.
أيتها السيدات، أيها
السادة،
نحن أبناء الشعب الجزائري،
الشعب الذي لا ينسى ولن ينسى أو يتناسى ما لقيته الثورة الجزائرية من مساندة ودعم
مادي ومعنوي وتأييد سياسي من الأشقاء العرب وخاصة منهم الإخوان في العراق والجزائر
تجاهد ضد قوى الظلم والطغيان.
فكيف لنا أن ننسى أن الدولة العراقية كانت تخصص سنويا بابا في ميزانيتها لدعم
الثورة الجزائرية ؟
وإذا ذكرت بذلك الموقف للعراق فليس هذا تذكير بدين يجب أن يسترد، بل هو تأكيد
على وجوب وقوف الشقيق إلى جانب شقيقه في المحنة. وأية محنة يمر بها حاليا
العراق أكبر من هذه المحنة ؟
إن موقفنا من هذه القضية، وهي بالفعل قضية وليست مجرد أزمة كما يريد البعض أن
يوهمنا، إن موقفنا أقول، يستمد قوته من تمسك بلادنا بقيم العدل والحرية والمساواة
بين الدول وما تنص عليه الشرعية الدولية والأعراف والقوانين المعمول بها في حل
النزاعات والخلافات. وإذا قلنا الشرعية الدولية فنحن نقصد بذلك شرعية كاملة
غير منقوصة وغير قابلة للتكيّف مع ظروف خاصة أو حالات استثنائية.
وهذا هو بالذات الموقف الذي ما فتئ يعبّر عنه مجلسنا في كل المناسبات وفي كل
المحافل كما كان الشأن خلال انعقاد الدورة الطارئة لمجلس الاتحاد البرلماني العربي
ببغداد في سبتمبر المنصرم، أو بمناسبة انعقاد أول اجتماع، بطرابلس في شهر فيفري
الماضي، لرؤساء الهيئات التشريعية لدول غرب المتوسط المنتمية إلى مجموعة ا5+5ب حيث
عبّرنا عن موقفنا المساند للعراق وعن رفضنا لكل أشكال الاعتداء على سيادة هذا البلد
وأمن مواطنيه، أو المساس بوحدته الوطنية وسلامة أراضيه وحق شعبه للعيش في الأمن
والسلم والاستقرار.
أيتها السيدات، أيها
السادة،
فهل يرتاح ضمير الإنسانية
وهو يرى أنّه باسم مبادئ الديمقراطية تنفرد دول بالضرب الوقائي لدولة أخرى بخرق
حدودها وإهانة شعبها وتدمير منشآتها ومحاولة الاستيلاء على ثرواتها ؟
وهل يعقل أن يستعمل شعار الديمقراطية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول في الوقت
الذي تستعمل وسائل وأساليب أقل ما يقال عنها أنها بعيدة كل البعد عن القيم الديمقراطية
ولا علاقة لها بقيم الحرية والعدالة وكرامة الشعوب وما وضعه المجتمع الدولي من قيم
تتقاسمها شعوب العالم كبيرة كانت أو صغيرة، قوية كانت أو ضعيفة غنية أو فقيرة ؟
وهل يعقل أن تبقى الدول العربية في موقع المتفرج في الوقت الذي يعاني فيه
إخواننا في العراق من قصف همجي وتدمير للمنشآت وتقتيل للمدنيين الأبرياء، وإن تحركت
هذه الدول فلكي تعطي صورة الأسرة المنقسمة والمنشقة وإن اجتمعت وأجمعت فلكي تخرج
بقرارات محتشمة لا فعالية لها؟
وهل يرتاح ضمير المعتدين على الشعب العراقي وهم يشاهدون هؤلاء الأطفال الأبرياء
وأشلاءهم متناثرة وأعينهم دامعة ونظراتهم يشوبها الرعب؟
وهل يرتاح الضمير العالمي وهو يرى عراق الحضارة والتاريخ وهو يتعرض لكل هذا التدمير،
وهو البلد العريق الذي يذكر له التاريخ ما قدمه للإنسانية؟ ولكن عزاءنا أن هناك
أصوات ترتفع أكثر فأكثر عبر كل العالم للتنديد بهذه الحرب الظالمة واللامشروعة والتعبير
عن رفضها لها، وذلك رغم الضجيج والصخب الذي تحدثه الدبابات والطائرات والقنابل.
سيداتي سادتي النواب،
إن المجلس الشعبي الوطني
يبارك مع ذلك الأصوات المتزايدة والمتصاعدة التي ترتفع في كلّ أنحاء العالم فوق صخب
المدافع والطّائرات والقنابل وتصرخ عاليا رافضة هذه الحرب اللاّشرعية والجائرة. هذه
الأصوات هي صوت وشرف الإنسانية التي تحتجّ عندما يتنكّر لهذه القيم والمبادئ التي
استجمعتها في أعقاب مخاض طويل، منذ الأزمنة الغابرة من تاريخها إلى يومنا هذا.
إن هذه الأصوات التي ينضمّ إليها كلّية الشعب الجزائري وممثّليته الوطنية هي
صوت الضمير الإنساني.
هذا الصدّى الذي يصل إلينا هو صدى ضمير العالم بكل ما يحمله من فضائل.
أيتها السيدات، أيها
السادة،
إن أعضاء المجلس الشعبي
الوطني، المجندين معنويا والذين يتابعون ساعة ساعة الأحداث الجارية على ساحة الغزو
والمقاومة التي بدأت تنتظم، يتضرعون إلى الله عزّ وجل ليحيط برعايته المقدّسة إخواننا
العراقيين يهب لهم القوة الضرورية لمواجهة المأساة.
لقد علمنا العقلاء أن المحن الكبرى تولّد حبّا رائعا للحياة، ولا شك أن الشعب
العراقي سيخرج صلدا من المحنة التي فرضتها عليه الأقدار.
إن المأساة حلت من جديد على العراقيين، إلا أنّ هذا الشعب سبق له أن عاش
غيرها من المحن في تاريخه الطّويل وبابل التي دمّرت مرّات ومرات من قبل أولئك الذين
حسدوها على عظمتها، استعادت وجهها وجمالها وانبعثت من جديد من رمادها كالعنقاء.
ستصمد بغداد بفضل شجاعة وبسالة العراقيين!
وبعبقرية العراقيين، سيعاد
بناء بغداد وستهدي إلى شعبها يوما حدائقها المعلقة!
وإذا كانت الأزمة تلد الهمة فهمة العراق عالية ومجده خالد.
يقول المولى تبارك وتعالى:(ولا تهنوا ولا
تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) صدق الله العظيم
يحيا العراق حرّا مستقلا !
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
|