نصّ كلمة
فخامة الرئيس السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
 في مجلس الشعب الوطني الجزائري


يوم 03 أكتوبر 2003

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 سيادةَ الرئيس

حضراتِ النوابِ الأفاضل

إِخوتي وأَخَواتي الأعزاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 بالنسبةِ لنا نَحنُ الإيرانيينَ، تُعتَبَرُ الجزائرُ بلداً قريباً منَّا على خارِطَةِ المعرفة وفي رِحابِ الثقافة والمجتمع، رَغْمَ أَنَّها بعيدةٌ منَّا حسبَ المقياسِ الجغرافي. وكأَنَّ مُفكّرينا ومواطنينا في كِلا البلدين، قَدْ سلَكوا جَنْباً إلى جَنْب، مساراتِ التاريخِ المُتَعّرجة، فَفَكّروا معاً وعَمِلوا معاً. 

في يومٍ من الأيام، قامَ ابنُ خلدون هنا – في "بِجاية" و"تِلِمسان" – بالإِشادةِ بعلماءِ إيران ودَورِهم في حَمْلِ رايةِ العُلوم العَقليّةِ والنقلية، فأعادَ كتابةَ "لُبابِ المُحَصّل" لِلفَخرِ الرازي وتحدّثَ عَنْ كلِّ مِنْ سَعدِ الدينِ التفتازاني والخواجه نَصير الدينِ الطوسي باعتبارهِما مِنَ الرموزِ التي تَدُلّ على استمرارِ حياةِ الحَضارةِ الإيرانيةِ حتى بَعدَ غزوِ المغول.

 وفي يومٍ آخرَ، هناك في إيران ازدادَ وهَجُ شُعلةِ النَزْعَةِ التَحرّريةِ على ضَوءِ الثورةِ الجزائريةِ بِتَجْرِبَتِها المَلْحَمِيّةِ الخالدة، فإذا كانَ المجتمعُ الإيرانيُّ قد عاشَ معاناةَ الاستبدادِ والاستعمارِ بكلّ وُجُودهِ، فإنّهُ يعْتَبِرُ الثورةَ الجزائريةَ وصمودَ وانتصارَ الشعبِ الجزائريّ ِ كجزءٍ مُشرقٍ مِنْ ذاكرته وحَياتِهِ السياسية. فَنَحنُ وأنتم، قد كُنّا مَعاً سواءً في الداءِ والدواء، فعانينا معاً وفَرِحْنا معاً. 

واسمحوا لي هنا أنّ أذكُرَ فقراتٍ مِنَ الرسالةِ المُوَجّهَةِ إلى المُفَكّر والمُناضِلِ الإيراني الدكتور علي شريعتي الذي فَكّرَ وناضلَ هناك، وذلك مِنْ قِبَلِ المفكّرِ الغربي المتحرّر فرانتس فانون الذي ضَحّى بحياتِهِ في سَبيلِ تحريرِ هذا البلدِ واستقلاله.  يقول فانون مخاطباً الدكتور شريعتي :

"إنّ رُؤيتَكَ الخاصّةَ في إحياءِ الروحِ الدينية، وجهودك المبذولةَ لتَحريكِ هذه الطاقَةِ الجبّارَة (التي باتَتْ ضحيةَ للصّراعاتِ الداخليةِ المُنحرِفَةِ العقيمةِ والمضرّةِ في بعضِ الأحيان، أو أُصِيبَتْ بحالةٍ مِنَ الشّلَل) وذلك مِنْ أجلِ إِنقاذِ مَجموعةٍ كبيرةٍ من أبناءِ الإنسانِ في هذا العصر مِمّن وَقَعوا في مُسْتَنْقَعِ الذّلِ والانحرافِ والتقليدِ وتَحطيمِ الشخصية... لهي طريقةٌ قَد اخترتها أنْتَ لِنفسك، وَرَغْمَ أنَّ طَرِيقِي هي غيرُ طريقِك، لكنّني أعلمُ أنّنا سَنَتَلاقى في نهايةِ المَطاف حيثُ يَجدُ الإنسانُ مجالاً ليعيشَ حياةً طيبةً كريمة".

 وفي تفكيرِ الإمام الخميني – رحمه الله – وتجربةِ الثورةِ الإسلامية، التي فَتَحتْ لنَا نَحنُ الإيرانيين آفاقاً جديدةً واعدة، تُعتَبَرُ الجزائرُ بلدَ التحرّرِ والعزِّ والكرامة. فَمِنَ الجديرِ أن أقولَ بأنّ ما يَربِطُ بَينَنا مِنْ تَعاطفٍ وتَشابهٍ وتفكيرٍ مُشتَرَك، ليس وَليدَ أحداثٍ عابرةٍ بَسيطة.

 إنّ الخَلفيّاتِ الثقافيةَ والتاريخيةَ والسياسيةَ، مَعَ التجارب المُشتركةِ القيّمة، قَدْ جَعَلَتنا مُتَضامِنينَ سائرينَ جنباً إلى جنبٍ في اتجاهٍ واحد. وإنّ التقاربَ الفكري – العملي الذي قَدْ تحقّقَ بَينَنا لم يَتَحقّقْ بِبَساطة فلا يُمكنُ لَهُ أن يزولَ بِبَساطة. إنّ الهويةَ المتناسقةَ بينَ إيرانَ والجزائر لم تَكُن حالةً استثنائيةً شاذّة، وإنّما هي "قاعدةٌ" مستمرة. فعلينا أنْ نَبحَثَ عن هذهِ القاعدةِ ونُكَرّسَها.

حضراتِ النوابِ الأفاضل

الحضورَ الكرام
 

 لا يَقْتَصِرُ المُشتَركُ والمُتشابِهُ بَينَنا على الأمس الدابرِ، لأنّنا نَتَشارَكُ ونَتَشابَهُ في يومنا الحاضرِ وفي غدنا الآتي.

إنّنّا نُواجِهُ مُتَطلّباتٍ وقَضَايا وآفاقاً مشتركةً مماثلةً في عالَمِنا المعاصر، ويمكنُنا أنْ نُحَقِّقَ تكاملاً فيما بَينَنا مِنْ جهةِ طاقاتِنا وإِمكانيّاتِنا المتاحةِ وذلك بُغيَةَ التعاملِ مَعَ الفُرَصِ ومُواجهةِ التهديدات.

وفي رِحابِ البَرْلمان الذي يُمَثّل إرادةَ الشعوبِ ورَأيَها، وأمامَ ممثلي الأحزابِ والمؤسساتِ الشعبيةِ التي تُجسّدُ التنميةَ السياسية، أودّ التطرقَ إلى بعضِ القضايا الضرورية : 

إنّنا – قبلَ أي شيء – بحاجةٍ إلى الحِوار، وإلى النهوض بالديمقراطيةِ ودعمِ المؤسسات المدنيّة. وعلى ضوءِ ما نَتّبِعُهُ مِن دِين وفكر، واستناداً إلى الرصيدِ الذي قد اكتَسبناهُ خِلالَ تطوراتِ تاريخِنا المُعاصر، فإنّه علينا أن نَعمَلَ على تقديمِ وَجهٍ إنسانيٍ عَطُفٍ للدين – كما هو كذلك فعلاً – ونَسعى لتقديمِ صورةٍ ديمقراطيةٍ إنسانيةٍ عن السياسةِ – كما يَجِبُ أن تكونَ. إنّ قاطبةَ أبناءِ شطري المَعمورةِ يُريدونَ أنْ تَحِلَّ الوردةُ مَحَلَّ الرَّصاصَة والمَحَبةُ مَحَلّ البَغْضاء، وأن تَحِلَّ الشعوبُ نفسَها مَحَلّ المستبدّين المتعسّفين. إلا أنّنا نرى بأنّ الأقوياء المُتغَطرِسينَ ومَنْ يُقدّسونَ العُنْفَ في الشرقِ والغَرب، مازالوا يَملِكونَ من القُدْرَةِ والإمكانيّةِ ما يَزيحُ ابتسامَةَ الأملِ مِنْ وَجهِ العالم. إنّنا لِكَونِنا مُسلمينَ ولأنّنا قَد عِشْنا مَشاهِدَ مِنَ العُنفِ وإِيذاءِ الإنسانِ مِنْ قِبلِ الاستعمار  القديم، والظلمِ الفاحشِ مِنْ قِبَلِ وَرَثَتِهِ الجُدُد، فَعَلَينا أن نُقدّمَ خِطاباً جديداً وطريقةً جديدة. إنّنا مِنْ داخلِ العالمِ الإسلامي وباسمِ الإسلام، نؤكدُ على"الحوار بينَ الحضارات" كما أنّنا بِصِفَتِنا أكبرَ المُتَضرّرينَ من جرّاءِ الحربِ والاغتيالِ والتعسّف، نؤكّدُ على "التحالفِ مِنْ أجلِ السلام" و"النهوضِ بالديمقراطية". 

وقد سبق لي أن قُلتُ بأنّ الحِوارَ بينَ الحضارات إذا أُريد لَهُ أن يَفْتَحَ صفحةً جديدةً في عالَمِ اليوم والمجتمعِ المعاصر، فلا بدّ أن يَتَجاوَزَ مدى مَسعاهُ حدودَ التحمّلِ السلبي ]للآخر[، لِيَصِلَ إلى تحقيقِ رؤيةٍ مشتركةٍ وتعاونٍ إيجابي. فالواقعُ أنّ المطلوبَ ليس تَحمُّلَ الآخرين فقط، وإنّما التعاملُ مَعَ الآخرين هو المطلوب.

 وعلى الرّغْمِ مِنْ كُلّ الصّعابِ التي نُواجِهُها في عالَمِنا هذا، فإنّ هذهِ الضرورةَ مِنْ شأنِها أنْ تكونَ لنا دليلاً وأجندةً للعملِ في العالمِ الإسلامي بشطريهِ الشرقيِّ والغربي. إنّ وَصْفَةِ الحِوارِ لا تُشكّلُ دعوةً إلى المُكالمة والمُحادثة فَحَسبْ، وإنما هي دعوةٌ إلى التعاونِ أيضا. 

إنّ أبْواباً جديدةً للتنميةِ والتقدمِ الشاملين سَتُفْتَحُ، لو تحوّلَتِ الإرادةُ المعتمدةُ على العُنف والقوّة في ميدانِ السياسة، إلى إرادةٍ تَعتَمدُ العقلَ في كلّ مَكان.

وفي العصرِ الذي نَرَى فيه أنّ الأفكارَ والسياساتِ المبنيةَ على العُنفِ والقوةِ تَخلُقُ ظروفا غيرَ آمنةٍ وغيرَ ديمقراطية، فلا بدّ لنا أَنْ نَتَمكّنَ مِنْ تقديمِ صورةٍ عَنِ الدين الإسلامي الحنيفِ إلى هذا العالم، بما يَتَبنّى الحوارَ والديمقراطيةَ والعقلانيّة. يجبُ ألا نَشُكَّ في أنّ التهديداتِ التي يُواجِهُها عالَمُنا الإسلامي، هي جزءٌ مِنَ التهديداتِ المُوَجَّهةِ للبشريةِ جَمْعاء. إنّ ظواهرَ مثلَ التَوَسُّعيةِ الطامِعَة، والتمسّكِ باتجاهِ أُحاديّ، واختلاقِ الآخرِ المُعادي، والتّعسُّفِ، والعُنفِ، والتخلّفِ، تؤدّي إلى اضطرابِ الأمنِ وإثارةِ القلقِ في أي مكان كان. فلا بدّ لنا أن نَدعوَ – باسم الإسلام – إلى الدفاعِ عن حقوقِ الشعبِ وسيادَتهِ. وأنْ نُشِيدَ – باسم الإسلام – بالحريةِ والديمقراطية. نَنْشُرُ المحبّةَ والمودّةَ ونَسيرُ نحوَ التسامحِ باسمِ الإسلام. وهذا خِيارً مفيدٌ تؤكّدُ تجرِبَتُنا المشتركةُ على ضَرورةِ تَبَنّيهِ أكثرَ مِنْ أي وقتٍ مَضى.

 إنّ الحديثَ عن الماضي التاريخي دونَ اسْتِشرافِ المُستقبل، ليسَ شيئا إلا عمليةَ تَشريحِ جُثّة. وإنّ الحِوارَ الحضاريَّ بينَ العالَمين الإسلامي والغَربي، يُشكّلُ ضرورةً مستقبليةً لكلا الحَضَارتين.

إِن الاتجاهاتِ المُتَمَحْورةَ حَولَ الذات، والمَبْنيّةَ على اختلاقِ الأخرِ المُعادي، والتي تَعْتَبِر نَفْسَها صاحبةَ الحقِّ على الإطلاق، ليستْ مُستَعِدّةً لتبني الحوار في كلا الشرطين مِنَ العالم.

ولكنْ هَلْ يُمَثِّلُ الحضاراتِ بالواقع أولئك الذينَ لا يُفَكّرون في الحِوارِ حتى فيما بينَ أنفسِهِم؟ إنّ الذينَ يَعتَبرون الحقَّ حِكْرا على أنفسهم، هم عبيدُ الأوهام، وليسوا ممثلي العقولِ والأفهام، أينما كانوا وتَحْتَ أيّ إسم عُرِفوا. إنّ الحضاراتِ حواريةٌ في ذاتِها وَحِواريّةٌ في صُورَتِها. فالإسلامُ جارٌ لأوروبا يَلتصِقُ جِدارُه بجِدارِها، إنّ مجاورةََ الشعوبِِ  لبعضِها لم تأتِ حَسَب اختيارِها وبقرارِها ولا يُمكنُ لأيّ شعبٍ أن يَختارَ جِيرانَه. إذا، فبِالإضافَةِ إلى الأدلةِ الأخلاقيةِ والثقافية، تأتي الضّرورةُ الجغرافيةُ التاريخيةُ لتَجعلَ كُلاًّ من الإسلامِ والغربِ في موقفٍ لا يَجِدان أمامَهُما مندوحةً سِوى التعرفِ على بعضِهما بشكلٍ أفضلَ وأدَقّ، والعمل على تحسينِ علاقاتِهِما السياسيةِ والاقتصاديةِ والثقافية.

إن المستقبلَ الحضاريَّ للعالَم كلٌّ لا يَتَجزّأ لأنّ مَاضِيهِ الحضاريّ أيضا لا يُمكنُ النظرُ إليه بصورةٍ متجزّئة. فَمِنَ الأفضلِ أن نَرى نَحنُ أيضا أَنفسَنا في مِرْآةِ الحِوار وأن نُبرِزَ الوجهَ القوي للإسلام في نظام الحوار.

 إن ّما يُجَسّدٌ جُهودَنا هذه، هو سعيُنا لإعطاءِ الأولويةِ للديمقراطية ودَعْمُ البُنَي والمؤسساتِ وأنماطِ السلوكِ الديمقراطية في المجتمعاتِ الإسلامية. لا شكّ أنّ الديمقراطيةَ ليست لها وصفةً واحدة. لكنّها تؤدّي إلى نتيجةٍ واحدة : إنّ الحقَّ الأساسي يَعود إلى الشعوب لكنّ طُرُقَ تحقيقِهِ تَتَنوعُ حَسب الهُويةِ التاريخيةِ والطاقةِ الوطنية.

 إنّ الرابِحينَ في مَسارِ النُّهوض بالديمقراطية، هُمُ الذينَ يُحبّونَ الدينَ والحريةَ والعَدَالةَ والتقدم. وإنّ الخاسِرينَ في هذا المسار هُمْ دعاةُ العُنفِ و التعسّفِ والأنانيةِ والتخلف. ومِنَ الواضح أنّه ليسَ هُناك شَعبٌ واعٍ - أو حكومةٌ واعيةٌ، تُفَضّلُ الخَسارةَ على الربح. وَمِنْ ثَمّ فإنّ خِيارَ تحقيقِ الديمقراطيةِ يكونُ هو الخيارُ المطلوب. ولابدّ لي أَنْ أُثمّن هنا ببالغِ الإخلاص، الجهودَ التي بَذَلهَا في هذا المسار، الشعبُ الجزائريُّ الكريمُ وحكومتُه الدائبةُ على العمل والكِفاح، وأخصّ بالذكر في هذا الصَّدّد، فخامةّ الأخِ العزيز الفاضل/ السيد الرئيس/عبد العزيز بوتفليقة، وكذلك المفكّرين المسلمينَ، وممثلي الشعب والأحزابَ السياسيةَ في الجزائر، آملاً أن يَتَمكّنَ العالََمَ الإسلاميُّ مِن الاستفادةِ المُثلي مِنْ هذهِ التجربةِ الطيّبةِ والرصيدِ القيم.

إن الشعبَ الإيرانيَّ العظيمَ، قد اختار هو الآخر طريقة المنشود. فإنّ الديمقراطيةَ الدينيّة تُمَثِلُ تَجْرِبتَنا الثمينةَ على الصعيدِ الوطني، وهو "الحوارَ بين الحضارات" يُمَثّلُ مِحْورَ اهتمامِنا على الصعيدين الإقليمي والدولي. وإنّ شعبَنا يُصِرُّ على النهوضِ بعمليةِ الإصلاحِ الشاملة. يَعتَمِدُ في ذلك على ما ادّخَرَهُ مِنْ رَصيدٍ كبيرٍ خلالَ ما يَزيدُ على مائةِ عامٍ مِنَ النضالِ المستمرّ الهادفِ إلى تحقيقِ الحريةِ والاستقلال والتقدمِ في ظلِّ الدين، كما يَسْتَنِدُ أيضاً إلى المُكتََسَباتِ والإنجازاتِ القيّمَةِ التي حقّقَها عَبرَ الثورة الإسلامية.

 نحن وأنتم قَدْ واجَهنا في هذا الطريق حالاتٍ مماثلةً تَتَمثّلُ في مَرارةِ الخيبةِ تارةً وفي حلاوةِ النجاح تارةً أخرى، فنحن في الهوى سواء. إذاً، فبإمكاننا – نَحنُ وأنتُم – أن نقيمَ نِظامَينِ دِيمقراطيين استمراراً للثورتينِ الشعبيتينِ العميقتينِ والكبيرتين. وعلى الرغم ممّا نَحمِلُه على أجسادِنا مِنْ جُروحٍ مُؤلمةٍ مِن جَرّاءِ العُنفِ والاغتيالِ والحرب، يُمكنُنا أنْ نكونَ دعاةً للتَسامُح والحوارِ والسلام. فَبِإمكانِنا - نحنُ وأَنتم - أن نُحِبَّ، وأن نَزْرَعَ بذورَ الحُبِّ وذلك على رَغْمِ الجروحِ الحارِقَةِ التي  تَعْصِرُ قلوبَنا مِنْ جَرّاء عدا واتِ الآخرين وأحقادِهم.

 نحن وأنتم مِنْ حقّنا أن تكونَ قلوبُنا مُفْعَمَةً بالأمل طالما أنّنا نَمْلِكُ رصيدا خالدا ضَخما من الخَلفيّةِ الذهنيةِ والتجربةِ التاريخيةِ الثقافيةِ الإيجابية، ومن الفَهْمِ المشتركِ والإرادةِ المشتركةِ في ما يَخُصُّ التعاونِ الإقليمي و الدولي.

 إنّ عالَمَنا المُعاصرَ، هو أحوجُ ما يكونُ إلى السلامِ والتعايشِ والعَدالةِ والديمقراطيةِ سواء على الصُعُدِ الوطنيةِ أو الدولية. وسياسَتنا المبدئيةُ هي السيرُ نَحوَ مِثْل هكذا عالم. إنٌنا على قََََََََََناعة بأنٌ مَصلَحَتَنَا ومصلحة المنطقة والعالم، هي في تَرسِيخٍ وتعزيزِ هذه السياسةِ الإستراتيجية.

 وعلى هذا الأساس قَد وَضَعنا أُسُسَ تَنميةِ عَلاقاتِنا مع دُوَل العالم على قاعدةِ الاحترامِ المتبادَل، ورَفض أيٌ نوعٍ من الهَيمنةِ أو الخضوع لها، والتأكيدِ على دَعمِ وترسيخِ أنظمةِ القانونِ الدولي، والعَمَلَ على الحَدِّ من التَوَتُّرِ وذلك على الصعيدين الإقليمي والدولي. إننَا نَدعو الدولَ الإسلاميةَ إلى العملِ على التنسيق والتلاحم وتعزيز التعاون الشامل فيما بينها. و في هذا الصدد، نُعطي الأولويةَ للعلاقاتِ مع العالمِ الإسلامِي ودولِ الشمال الإفريقي سيٌما الجمهوريةَ الجزائريةَ الديمقراطيةَ الشعبيةَ. ونَشْعُُرُ بضرورةِ بذلِ مَزيدٍ من الجهودِ لتطويرِ العلاقات إلى أبعدِ الحدودِ مع الجزائرِ الشقيقةِ حكومةً وشعبًا.

من حسن الحظٌِ أَنٌَ موقفَ المسؤولين في كِلا البلدين وسلوكَهُم العملي، يَدُلاٌن على بَدءِ مَسارٍ مُتسارعٍ لتطويرِ التعاونِ بينَ الجانبين. وخيرُ شاهدٍ على ذلك هو الاهتمامُ الذي يُعيرُه فخامةُ رئيسِ الجمهوريةِ الجزائريةِ الديمقراطيةِ الشعبيةِ لهذا الشأنِ والزيارةُ الكريمةُ التي قام بها فخامتُه لطهران.

 كما أن زيارةَ سماحةِ الشيخ كوبي رئيسِ مجلسِ الشورى الإسلامي السابقِ للجزائر، تُعَدُّ خطوةً كبيرةً في سبيلِ تعزيز العلاقاتِ البرلمانيةِ بين البلدين، وبالتالي، دعمَ الروابطِ القائمةِ بينَ الشعبين.

 إن عَقْدَ اجتماعين للجنةِ المشتركةِ لتعاونِ الإيراني – الجزائري في عاصمتي البلدين مع التوقيعِ على عشرينَ وثيقةٍ للتعاون في مختلف المجالات، إنْ دلَّ على شيء فإنما يَدُّلُّ على الاهتمام بالجانبِ العملي لهذا التعاون. وإنّنّي لأمل أن تُساهِمَ هذه الزيارةَ هي الأخرى في التمهيدِ لفتحِ مجالاتٍ جديدةً للتوصلِ إلى اتفاقاتٍ استراتيجيةٍ تطويراً للعلاقاتِ القائمةِ بينَ البلدين أكثر ممّا مَضَى.

 نحنُ على قناعةٍ بأنّنا اليومَ، بعد اجتيازِنا الناجِح لِهذهِ المرحلةِ من علاقاتِنا، قَدْ حَانَ الوقتُ لنا أن نُرَكّزَ جهودَ الحُكومتينِ والشعبين على خلق نماذجَ جديدةٍ في التعاون الإقليمي والدولي. وبالإضافةِ إلى ذلك، لابد لَنا أنْ نَسعى لاكتشافِ الطاقاتِ والإمكانياتِ المُماثِلَةِ والمتكاملةِ لكلا البلدين في المَجالات العلمية والثقافية والاقتصادية، والاستفادة المُثلى مِنْها.

 ومَعَ أن الإجراءاتِ التي تَمّ اتخاذُها لحدّ الآن، هي جديرةٌ بالإشادَةِ والتقدير، لكنَّ الواقعَ أنّ البلدين لم يَتَمكّنا بَعْد مِنَ التوصّلِ إلى مستوى  منشودٍ مِنَ التعاون الاقتصادي العلمي– الخاصِّ بينهما بما يَتَلاءَمُ مع الطاقاتِ والإمكانياتِ المُتاحَة لَهُما في الوقتِ الحاضر.

إننّي لَواثٌق مِنَ المُستقبلِ الو ضّاء الذي يَنْتَظِرُ مجالاتِ التعاون التي بدأت بَينَ البلدين، ومِنَ الآفاقِ الرَّحْبَةِ التي فَتَحها الشّعبان أمامَهُما في ما يَخُصُّ تحقيقَ الحريةِ والديمقراطيةِ والتقدم، ومِنَ الدورِ الكبيرِ الذي قد اضطَلَعَ بِهِ البلدانِ في نِطاقِ العالم الإسلامي في مجالِ إِزالةِ بَصَماتِ العُنف والرؤى الضيقةِ مِنْ وجه الدينِ الناصع.

 الواقعُ أننا نحنُ وانتم – قد عَقَدنا العزمَ على أن نبقى أحياءَ في عالم اليوم وأن نتقدّم باتجاهِ المُستقبل. فَمِن الواضح أنه :

 

 " إذا الشعب يوما أراد الحياةَ                                فلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجيبَ القَدرَ"

 

   شكرا لكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركة