خطاب
معالي السيد عمّار سعداني
رئيس المجلس الشعبي الوطني
بمناسبة اختتام الدورة الخريفية لسنة 2006
_______
الجزائر، في 31 جانفي 2007
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
السيد رئيس
مجلس الأمة،
السيد رئيس الحكومة،
السادة وزراء الدولة،
السيدات والسادة الوزراء،
السيدة والسادة أعضاء مكتب مجلس الأمة،
السيدات والسادة النواب،
السيدات والسادة ممثلو وسائل الإعلام،
الحضور الكرام،
أرحّب بكم في المجلس الشعبي الوطني شاكرا حضوركم الكريم لمشاركتنا مراسيم اختتام
الدورة الخريفية الأخيرة من العهدة التشريعية الخامسة، هذه العهدة التعددية
الديمقراطية الغنية بمنجزاتها والتي واكب المجلس من خلالها برنامج الإصلاحات الكبرى
في مختلف هياكل الدولة وقطاعاتها، والتي تعدّ محّطة حاسمة في مسيرة المجلس بإسهامها
الكبير في إثراء المنظومة التشريعية من خلال دراسة مشاريع القوانين ومناقشتها
والمصادقة عليها، وهذا يدل على ما وصلت إليه هذه الهيئة من خبرة تشريعية عالية،
وقدرة أدائية متميزة، في مهامها ومسؤولياتها الدستورية.
ففضلا عن مصادقة المجلس الشعبي الوطني، خلال الفترة الممتدة من 30 مايو 2002 إلى
يومنا هذا، على ما لا يقلّ عن 89 نصّا، أقول وأؤكّد 89 نصّا، نصوص هي اليوم قوانين
تمّ إصدارها ولبنات هامّة في الحياة البرلمانية الجزائرية، وإذا ما احتفظت ذاكرة
هذه الفترة التشريعية الخامسة إلاّ بحدث واحد آخر، فهو بالتأكيد وبطبيعة الحال
الانتخابات الرئاسية التي جرت في 8 أبريل 2004.
لقد كانت هذه الانتخابات محطّة حاسمة في الحياة السياسية لبلادنا، لما أفرزته من
أفكار طموحة بالنسبة لمستقبل الجزائر، ومن حيث ما حشدته من طاقات في أوساط كافّة
فئات الشعب، وما صَهرته أو استنهضته من قناعات قوية لدى المواطنين، ومن حيث ما
حرّكته من هبّات وطنية لدى أبناء وطننا، وأيضا من حيث أنّها مكّنت المواطنين من
تحقيق ذاتهم كناخبين من خلال الخيار الحرّ والسيّد الذي عبّروا عنه والأصوات
الكثيرة التي منحوها لفخامة الرئيس السيد عبد العزيز بوتفليقة.
نسأل الله، جلّت حكمته، أن يمدهّ بعونه وأن يسدّد خطاه في ممارسة المسؤوليات
السامية التي أولاه الشعب إيّاها، وفي ترسيخ أسس التقدّم السياسي والاقتصادي
والاجتماعي الذي تطمح إليه الأمّة الجزائرية.
أيتها السيدات، أيها السادة،
بغض النظر عن المحطّة الجوهرية التي طبعت هذه الفترة التشريعية الموشك على نهايتها،
وفضلا عن الحدث البارز المتمثل في الاستفتاء الذي عبّر الشعب الجزائري في غالبيته
على موافقته على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، فإن الحصيلة المعنوية لأشغالنا
خلال السنوات الخمس المنصرمة تبقى بكل موضوعية، أكثر من مشرّفة بحيث تمكّن المجلس
الشعبي الوطني من الاضطلاع بمهامه الدستورية على أكمل وجه.
ومن هذا المنظور، فإنّني أهنّئ السيدات والسادة ممثلي الشعب، على اختلاف أطيافهم
السياسية، لكلّ ما أدّوه من عمل على مدار هذه السنوات، سواء من حيث دراسة مشاريع
القوانين التي عُرضت عليهم أو من حيث الصياغة النهائية التي خرجت بها هذه النصوص،
وأيضا من حيث الأنشطة العديدة التي قاموا بها على هامش الجلسات العامة والأشغال على
مستوى اللّجان.
و إذا كان من الضروري، من حيث العرف البرلماني، الإشارة إلى العناصر الرقمية ذات
الصلة بالحصيلة الخماسية للفترة التشريعية الخامسة، فإنّنا نذكر على سبيل المثال لا
الحصر ما يلي :
أن المجلس صادق على 89 قانونا يمثل مجموع 4384 مادّة ،
أن المجلس عكف على دراسة 2884 تعديلا وصادق على أكثر من 1853 تعديلا تمّ إدراجها في صلب مختلف القوانين المدروسة،
أن المجلس عقد 221 جلسة عامة خلال الدورات البرلمانية العشر للفترة التشريعية الخامسة، وهو ما يعادل حجم عمل يفوق 590 ساعة،
أن اللجان الدائمة عقدت 620 جلسة عمل خلال الفترة التشريعية الخامسة، أي ما يعادل حجم عمل يقارب 1750 ساعة،
أن مكتب المجلس عقد 103 اجتماعا لاتخاذ القرارات التي تدخل ضمن اختصاصاته وأن هيئة الرؤساء عقدت 27 اجتماعاً،
وفي المجال الرقابي، تمّ طرح 559 سؤالاً شفويا وإرسال 347 سؤالاً كتابيا إلى
الحكومة وتمّت الإجابة عن 318 سؤالا كتابيا و399 سؤالا شفويا.
فمن بين القضايا التي عالجتها هذه النصوص نجد:
المسائل التي تتصل بتبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب،
المسائل ذات العلاقة بالتنمية المستدامة تحت أشكالها المتعدّدة،
مكافحة الفساد،
اتفاقية الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه،
قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية.
هذا إذا اقتصرنا على إيراد بعض أبرز الملفات من بين إثنين وتسعين ) 92( ملفّا التي
تمّت معالجتها، فقد ناقش النواب التدابير التشريعية المقترحة عليهم، ووضعوا السمة
المميّزة للقانون بما يتناسب وما تُمليه عليهم تطلّعات الجزائر المشروعة إلى
التقدّم والرقي على نحو ما هي واردة في برنامج عمل رئيس الجمهورية.
وقد عُني النواب بكثير من الاهتمام أيضا بالقانون الأساسي للقضاء وبتشكيلة المجلس
الأعلى للقضاء وصلاحياته وعمله، فتبنّوا نصّي القانونين العضويين اللذين عُرضا
عليهم وصادقوا عليه بعد قيامهم بإثراء أحكامه.
وحول مجموع القضايا المعروضة على المجلس الشعبي الوطني، نلاحظ أن هذا المجلس قد
أسهم في تقدّم التشريع لتحقيق مواءمتها مع أماني الشعب الذي منحنا ثقته، وهذا مع
مراعاة رهانات الحاضر وتحديات المستقبل.
أيتها السيدات، أيها السادة،
فضلا عن إنشاء معهد للتكوين والدراسات التشريعية الذي يُنتظر أن يُصبح قاطرة عصرنة
المجلس عن طريق احترافية موارده البشرية، وهو المشروع المرجوّ منه مساعدة
المنتخَبين على تأدية عملهم بكلّ كفاءة واقتدار؛ هذا المعهد الذي سبق أن أنجز تكوين
نحو 290 نائبا برلمانيا، و400 موظفا وتحسين تأهيلهم من خلال الدروس المقدّمة
والورشات الإثني عشرة الوطنية والدولية التي تمّ تنظيمها بمساعدة مالية أجنبية،
وفضلا عن ذلك كلّه، فقد قام المجلس الشعبي الوطني في ميدان التعاون البرلماني طوال
الفترة التشريعية الخامسة بنشاط حثيث ومتنوّع في آن واحد.
ذلك أن المجلس قد استقبل عشرات الوفود البرلمانية والحكومية لبلدان شقيقة وصديقة
لإجراء مباحثات رسمية معها تناولت التعاون الثنائي في المجال البرلماني وتنسيق
المواقف في المحافل المتعدّدة الأطراف الإقليمية منها والدولية.
وهكذا فقد تمّ التوقيع على ما لا يقلّ عن أحد عشر ) 11( بروتوكولاً للتعاون
البرلماني بين المجلس الشعبي الوطني والغُرف البرلمانية لإيطاليا، وإسبانيا،
ولبنان، والأردن، والفيتنام، وإيران، وتركيا، والبرتغال، ومع الجمعية الوطنية
الفرنسية في الآونة الأخيرة ، دون أن ننسى بروتوكول التعاون البرلماني الذي بات
يربط المجلس الشعبي الوطني بالبرلمان الأوروبي، وكذلك اللجنة البرلمانية الكبرى
الجزائرية الفرنسية التي تُعدّ الأولى من نوعها في التاريخ البرلماني لبلدنا،
والثانية من نوعها التي عمدت الجمعية الوطنية الفرنسية إلى إنشائها عقب اللجنة
البرلمانية الكبرى التي تجمع بين فرنسا وروسيا.
وكذلك قامت وفود من المجلس الشعبي الوطني ضمّت حوالي 425 ممثلاً لمختلف الحساسيات
السياسية بزيارات إلى الخارج للمشاركة في نحوِ 229 حدثا برلمانيا وفي اجتماعات
أخرى، بهدف تعزيز دور النواب في إدارة وقيادة الشؤون العامة، أو بغرض تقوية وبناء
صرح الحوار الذي باشرته بلادنا مع بعض المؤسسات البرلمانية ذات الطابع الوطني أو
الإقليمي أو الدولي.
أيتها السيدات، أيها السادة،
ليس الغرض من كلمتي هذه أن أمضي بعيدًا وباستفاضة في عرض حصيلة نشاطكم أيها السيدات
والسادة النواب، لكنّي لا أودّ أن أنسى أو أغفل ضمن هذه العُجالة ذكر اللوائح
والقرارات السياسية الأحد عشر التي اعتمدتموها.
وكذلك المبادرات العديدة التي ساهمت في النهوض بسمعة المجلس وفي الرفع من شأنه
بإحلاله المكانة السياسية التي تليق برسالته ضمن المؤسسات الكبرى في الدولة. وأبرز
حدث أيتها السيدات أيها السادة، هو إحياء الذكرى الخمسين في رحاب المجلس الشعبي
الوطني لاندلاع الثورة المباركة ثورة نوفمبر 1954، والإشادة البالغة في هذه
المناسبة بالفقيد المجاهد الراحل رابح بيطاط، والخطاب السياسي الجامع الموحِّد الذي
تفضّل بإلقائه من على هذا المنبر صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد عبد العزيز
بوتفليقة، ليُعدُّ ذلك كلّه من المعالم البارزة في تاريخ الفترة التشريعية الخامسة.
أيتها السيدات ، أيها السادة،
لقد روعي خلال هذه العهدة جملة من المقاييس في مقدمتها النجاعة والفعالية والتحسين
المستمر مع الأخذ في الحسبان حقيقة التحوّل الاجتماعي وانعكاساته وذلك في سياق
التحولات التي تشهدها بلادنا والعالم من حولنا. وضمن هذا المنظور أيضا كان تناغم
هذه الحصيلة الغنية شكلا ومحتوى مع برنامج الإصلاحات الكبرى التي شرع فيها فخامة
رئيس الجمهورية والتي تعمل الدولة الجزائرية بكل إمكانياتها وقدراتها على تجسيدها
ميدانيا في مختلف القطاعات.
إن المجلس الشعبي الوطني حريص على وضع المنظومة التشريعية الوطنية ضمن رؤية واقعية
متفهمة لجوهر الأوضاع التي تمرّ بها البلاد والظروف التي يعيشها المواطنون، حيث
إعتمد المجلس أساليب منهجية حديثة في مختلف أنشطته هدفها الارتقاء بأداء المهمة
النيابيّة من جهة، و بغية التكفل الحقيقي بانشغالات المواطنين والتعبير الصادق عن
اهتماماتهم من جهة ثانية.
أيّتها السيدات، أيّها السادة،
إن وتيرة العمل التي سار عليها المجلس الشعبي الوطني خلال هذه الفترة تؤكد الالتزام
التام الذي طبع كل أعماله وهو مواكبة المشروع النهضوي البالغ الأهمية الذي سطره
وسهر على متابعته و تنفيذه فخامة رئيس الجمهورية والذي تفاعل معه نوّاب الشعب
وحرصوا على احتضانه وتبنيه بالعمل الميداني وبالإرادة التي لا تلين وفق ما يقتضيه
التطلّع إلى مستقبل الجزائر الطموح، وإرساء دعائم دولة الحق والقانون.
إنّ الوفاء الذي اتّسم به النوّاب لعهدتهم الانتخابية أمام المجموعة الوطنية التي
وضعت فيهم ثقتها وأنابتهم لتمثيلها في هذا الصرح الهام، قد كانوا في مستوى هذا
العهد وهذه الثقة وذلك بما بذلوا من جهود تمثيلا لأحزابهم وناخبيهم وها نحن على
مقربة من نهاية العهدة ملتزمين بأداء الواجب على أكمل وجه، وستبقى هذه التجربة
الكثيفة بأعمالها محل اعتزاز لكل الذين شاركوا فيها وأسهموا في إغناء رصيدها، كما
تبقى أجواء العمل التي سادتها روح الأخوة والتعاون وفضائل التفهّم والحوار علامات
على سمو التجربة الديمقراطية البرلمانية في بلادنا.
إنّ المجلس الشعبي الوطني الذي يتولى الفعل التشريعي تكفّل بهذه المهمة على أحسن
وجه، وعمل بكل إخلاص مع كافة الشركاء من أجل ترقية أداء الهيئة التشريعية وجعلها
العين البصيرة والأذن الصاغية والضمير الحي واللسان المعبّر عن إنشغالات كافة
الجزائريات والجزائريين بمختلف شرائحهم وفئاتهم، وسيبقى وفيا لالتزاماته مؤديا
لمهامه بفعالية من أجل تحقيق تطلعات أبناء أمتنا في كنف الهدوء والرصانة، غير مبالٍ
ببعض الأطراف التي أزعجها أداء عمل المجلس على المستوى الداخلي ومواكبته محيطه
الإقليمي والدولي على المستوى الخارجي.
أيّتها السيدات، أيّها السادة،
إن المجلس الشعبي الوطني لم يدخّر وسعا لدعم مسعى محاربة الفساد والدعوة إلى اجتثاث
جذوره والحدّ من مخاطره وهو يرى حتمية إصلاح المؤسسات المالية والمصرفية لأنه إصلاح
لبنية الاقتصاد كلية، ضمانا لسلامة الدولة والمجتمع، كما ينوّه بقرار التسديد
المسبق للجزء الأوفر من المديونية الذي يعدّ ضمانا لمستقبل أجيالنا بل يعزّز
مصداقية الدولة الجزائرية في السوق المالية والهيئات الدولية.
أيّتها السيدات، أيّها السادة،
إن الأشهر القليلة المتبقية من عمر عهدتنا التشريعية تفرض علينا أن نبقى متحدين
منسجمين ونواصل العمل بنفس العزم والإرادة حتى انقضاء العهدة التشريعية كاملة لنؤكد
على أننا في مستوى التحديات، لأن ما يفرّقنا في بعض الأحيان في رحاب هذه القبة هو
حتما الواجب الذي يجمعنا في نهاية المطاف لخدمة شعبنا الذي وسمنا بثقته.
وسيكتب التاريخ بأنكم كنتم من المواكبين لمسعى الإصلاحات التي باشرتها الجزائر، بل
كنتم من صناع هذا المسعى.
وسَتُدَوَّنُ هذه الفترة التشريعية بأنها كانت العهدة المفصلية في مسار الإصلاحات
ويبقى ينتظرنا العمل الكثير في مهمتنا التشريعية.
إنّه لا بد من تثمين الجهود التي أولاها ممثلو الشعب للارتقاء بالمنظومة التشريعية
وعصرنتها في إطار شراكة جديّة وانسجام مع المؤسسات الدستورية التي كان لها الفضل
الأوفر فيما حُقّق من نجاح.
وفي الختام أقدم جزيل الشكر وجميل الامتنان إلى معالي السيد رئيس مجلس الأمة وكافة
أعضاء المجلس على تعاونهم وتنسيقهم وتفهمهم من أجل الارتقاء بالمنظومة التشريعية
الوطنية.
والشكر موصول إلى كافة أعضاء مجلس الأمة على تعاونهم الدائم.
كما أرفع أسمى آيات العرفان وأصدق عبارات الشكر لمعالي السيد رئيس الحكومة والسيدات
والسادة الوزراء على ما بذلوه من جهود طيلة أشغال المجلس باستعدادهم للتعاون
واستجابتهم عند الاقتضاء للمشاركة في اللقاءات الخاصة التي تستدعيها ظروف العمل
المشترك.
وأشكر بمودّة وأخوّة السيدات والسادة النواب على ما بذلوا من جهود للوصول إلى هذه
الحصيلة المشرّفة التي تبقى مفخرة مشاركتهم في تعزيز منظومتنا التشريعية ودعم صرح
الجمهورية.
وأقدّم شكري الخاص والخالص إلى كافة ممثلي وسائل الإعلام على التعاون الذي لمسناه
والجدية التي لاحظناها خلال أشغال الدورات السابقة وأرجو مزيدا من الاحترافية
والموضوعية والنجاح والحيوية لقطاع الإعلام في بلادنا.
والشكر موصول إلى كافة إطارات وعمال المجلس الشعبي الوطني الذين يعملون من أجل
تمكين النواب من أداء مهامهم النيابية على أكمل صورة وفي أحسن الظروف راجيا للجميع
كل التوفيق.
مع التمنّي للسيدات والسادة النواب بقضاء الفترة المحدّدة بين الدورتين في
مداوماتهم والعودة إلى ناخبيهم والاستماع إلى انشغالاتهم واطلاعهم على الحصيلة
التشريعية الوافرة التي أنجزوها خلال عهدتهم النيابية، فاسْعَدُوا بالعودة إلى
أحضان الشعب وتحسّس نبضه والتقرب من انشغالاته وتطلعاته.
أجدّد لكم الشكر على كرم الإصغاء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.