خطاب
معالي السيد عمّار سعداني
رئيس المجلس الشعبي الوطني
في مراسم افتتاح دورة المجلس الشعبي الوطني الربيعية لسنة 2007
______
الجزائر في 04 مارس 2007
مارس 2007
بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
السيد رئيس مجلس الأمة،
السيد رئيس الحكومة،
السادة وزراء الدولة،
السيدات والسادة الوزراء،
السيدة والسادة أعضاء مكتب مجلس الأمة،
السيدات والسادة النواب،
السيدات والسادة ممثلو أسرة الإعلام،
أيها الحضور الكرام،
شيّع المجلس الشعبي الوطني في الفترة الفاصلة بين الدورتين، عضوا آخر من أعضائه،
المرحوم محمّد فرج الذي التحق بجوار الرفيق الأعلى في سنّ الثانية والخمسين.
لقد كان المرحوم محمد فرج عضوا محترما داخل هذا المجلس أو في دائرته الانتخابية برج
بوعريريج أين كان منتخبا محبوبا وخادما وفيا، حيث جعل من التضامن الوطني وحماية
حقوق العمال والحفاظ على كرامة الطبقات الشغّيلة جوهر نضاله السياسي في دار الفناء
هذه.
إن خصال التواضع والبساطة و كذا نكران الذات والشغف بالأفكار وبالمُثل العليا التي
تميّز بها المرحوم والتي اعترف له بها الكثير ، هذه الخصال كانت عُصارة ما تحمله
المهنة السياسية عامّة والمُهمة البرلمانية خاصّة من معانٍ سامية ونبيلة.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمّد روح الفقيد برحمته الواسعة وأن يُسكنه جنانه وأن
يلهم ذويه الصّبر والسلوان.
أدعوكم أيتها السيدات، أيها السادة، إلى الترحّم على الفقيد والوقوف دقيقة صمت على
روحه وأرواح الأعضاء الذين فقدناهم خلال هذه العهدة وهم السادة عبد الله عميّر،
محمّد عوفي، عبد الكمال بن بارة، صالح بوشطال، أحمد قرزة، رابح راجا، عبد القادر
زروقي، الذين رحلوا عنّا وهم يمارسون عهدتهم خلال الفترة التشريعية الخامسة.
كما نترحم على أرواح زملائنا من مجلس الأمة ، وأخصّ بالذكر الفقيد المغفور له محمّد
الشريف مساعدية، رئيس مجلس الأمة، وأمين العقاّل لمنطقة الآهقار الحاج موسى آخاموخ،
والمجاهد العقيد عبد الحميد لطرش و المجاهدة بدرة عمامرة ، والسيد آيت احمد أحمد،
والسيد مداني بن مداني. رحمة الله عليهم جميعا.
دقيقة صمت .
" إنّا لله وإنّا إليه راجعون " صدق الله العظيم
أيتها السيدات، أيها السادة،
منذ ثلاثين سنة خلت، أو نحو ذلك، عقد أوّل مجلس شعبي وطني مُنتخب، بقصر الأمم، أولى
جلسته التنصيبية الرّسمية العامة تحت رئاسة المرحوم رابح بيطاط، و بحضور الفقيد
الرئيس هواري بومدين الذي شكّل إنشاء المجلس الشعبي الوطني أحد إنجازاته في مسار
استكمال بناء كبريات مؤسسات الدولة الجزائرية في إطار الميثاق الوطني الذي بادر به
الرئيس المرحوم، وكان نقطة انطلاق الفترة التشريعية الأولى وفجر المسار الديمقراطي
في بلدنا، والكثير منّا أو من أسلافنا، من نواب ومناضلين وموظفين بالمجلس أو أعضاء
في الحكومة، لازالوا يتذكّرون تلك الجلسة المَهيبة وذلك الخطاب الافتتاحي الحماسي
الذي ميّزها، وعلى أية حال، ستحفظ الحوليات البرلمانية في بلدنا وللأبد ذكرى ذلك
الحدث، الذي أدعوكم، ومشاعر التأثر تعتريني، إلى تخليده والاحتفاء به أيضا في
قلوبنا.
أيتها السيدات، أيها السادة،
إن الدورة البرلمانية التي نستهلّها اليوم هي آخر دورة في عمر الفترة التشريعية
الخامسة، بحيث أن الممثلية الوطنية مدعوة في 17 مايو المقبل إلى العودة إلى الشّعب
بغرض تجديد شرعيتها.
في هذه الظروف، أودّ في المقام الأوّل أن أحيّي العمل التشريعي المُميّز الذي عكفتم
على أدائه والذي عملنا سويا على إنجازه طوال هذه الفترة التشريعية الخامسة.
لقد سهرتم، أيتها السيدات، أيها السادة، بناءً على ما يقع عليكم من واجبات دستورية،
على دراسة و تحليل و مناقشة و إثراء و تعديل نصوص قانونية قبل المصادقة عليها
بأمانة الضّمير من خلال الإدلاء بصوتكم، قوانين ستترك بصمتها في تاريخ جمهوريتنا
الفتية.
ستترك هذه القوانين بصمتها في التاريخ لأنّ معظمها يُشكّل اليوم الأسس القانونية
للإصلاحات الكثيرة التي باشرها بكفاءة فخامة السيد رئيس الجمهورية من أجل عصرنة
المهام الكبرى للدولة، والتحرير المعتدل والمُتّزن لقطاعات واسعة من قطاعات
تنميتنا، وتحقيق ذلك التحوّل الحسّاس والدّقيق من النظام الاقتصادي المخطّط نصف
الجماعي والمسيّر الذي كانت تسير عليه الجزائر سابقَا إلى نظام اقتصاد السوق، نظام
اجتماعي وعصري بدا يحقق اندماجه ضمن الشبكة العالمية للمبادلات.
لقد سهرتم، وأنتم تمارسون مهامكم التشريعية، على التقيّد بأحكام المادة 100 من
الدستور من خلال وفائكم للعهدة التي أولاكم الشعب إياها والتزامكم بواجب الإصغاء
المستمّر لتطلّعاته وتمسّككم بالقيم التي أوكل لكم أبناء وطننا مهمّة الدفاع عنها.
وفي كنف احترام القواعد الديمقراطية، عملتم، شخصيا وفرديا، كلٌٌّ على طريقته وحسب
قناعاته، كما عملتم جماعيا داخل مجموعاتكم السياسية أو داخل التحالف الذي أنشأتموه،
على الاضطلاع بمهمّتكم التشريعية ناشدين في ذلك بناء مجتمع جزائري أكثر عدلاً وأكثر
تضامناَ وأكثر ازدهاراً، مجتمع أكثر انفتاحاً إلى العالم وعلى العالم، مجتمع يستجيب
لما اقترحه رئيس الجمهورية وقبل به الشعب.
لقد سهرتم على تعديل مشروع القانون حول مكافحة الفساد الذي عُرض عليكم على النحو
الذي ارتأيتموه صحيحا وبما يتطابق مع الدستور ومع الاتفاقيات الدولية.
لقد حرصتم على تعديل مشروع القانون العضوي المتضمن التنظيم القضائي بما يخدم هدف
عصرنة وتعزيز صلاحيات الهيئات المشكّلة لجهاز العدالة الوطني وتدعيم استقلاليتها،
وبما يضمن التكفّل بالحاجيات الجديدة في المجال القضائي، مثل تلك التي أفرزتها
الإشكالية البيئية في بلدنا.
كما سهرتم، وأنتم تعدّلون قوانين المالية، على أن تعكس هذه الأخيرة بصورة وفية، روح
وحرف البرنامج الذي جاء به فخامة رئيس الجمهورية، السيد عبد العزيز بوتفليقة الذي
زكّاه الشعب رئيسًا يوم 15 أبريل 1999 ويوم 08 أبريل 2004.
وأكتفي بذكر هذه الأمثلة من بين التعديلات الـ 2884 التي بادرتم بها بنزاهة وأمانة
الضمير، والتي ناقشتموها مع الحكومة خلال هذه الفترة التشريعية الخامسة، والتي
صادقتم على 1853 منها.
لقد صوّت المجلس الشعبي الوطني على 88 قانونا بمجموع 4384 مادّة، وعقد 221 جلسة
علنية بمجموع 590 ساعة من الأشغال، وعقدت اللجان الدائمة 616 اجتماعا بمجموع 1750
ساعة عمل، ووجّه المجلس 347 سؤالا كتابيا و559 سؤالا شفويا إلى الحكومة، وصادق على
11 لائحة تناولت أحداثا استثنائية، ونظّم دورات تكوينية بحجم 4000 شخص/شهر، ونظّم
حوالي 20 حدثا دوليا ووقّع على 11 بروتوكولاً للتعاون البرلماني مع برلمانات أجنبية
وأنشأ اللجنة البرلمانية الكبرى بين الجزائر وفرنسا، تلكم هي الخطوط العريضة
للحصيلة التي خرج بها المجلس الشعبي الوطني باقتدار برسم الفترة التشريعية الخامسة،
وذلك دون احتساب الأشغال والأنشطة التي تنتظرنا خلال الأشهر القليلة المتبقية من
هذه العهدة.
أيتها السيدات، أيها السادة،
لقد كان مبتغاكم الوحيد تحت هذه القبّة هو خدمة الجزائر، خدمة الجمهورية الجزائرية
الواحدة التي لا تتجزّأ، وخدمة الشعب الجزائري الموحّد في مصيره.
لهذا السبب، أتوجّه بالتحية إلى السيدات والسادة أعضاء الممثلية الوطنية، على
اختلاف حساسياتهم ومشاربهم السياسية.
وأحييّ أيضا المجموعات السياسية في المجلس وأشيد بالمسؤولين الأوّلين عليها،
فالانتماء الحزبي لأولئك وهؤلاء لم يشكّل أبدا عائقا أمام التشاور والتفاهم، باسم
ما تمليه المصالح العليا للهيئة التشريعية ومصالح بلدنا،
أحيّي أيضا أعضاء مكتب المجلس وأعضاء مكاتب اللّجان الدائمة الإثني عشر، الذين
اضطلعوا بمهامهم بحماس وبشغف أيضا في كثير من الأحيان.
أتوجّه بتحية التنويه أيضا إلى رئيس الحكومة، السيد عبد العزيز بلخادم وإلى السيدات
والسادة الوزراء لما تحلّوْا به من استعداد ولما أبدوه من اهتمام حيال أسئلة
واستجوابات المجلس.
والتحية ذاتها موجهة إلى السيد وزير العلاقات مع البرلمان لما شيده من جسور التعاون
بين المجلس والحكومة.
أتوجّه بالتحية إلى رئيس مجلس الأمة، السيد عبد القادر بن صالح وإلى كافة أعضاء
المجلس الذي عمل في أجواء من التفاهم مع الغرفة الأولى، وما أدلّ على ذلك، تطابق
وجهات النظر بين غرفتي البرلمان حول المسائل التي تهمّ البلاد، إلاّ المراّت
القليلة التي توجّب فيها اجتماع اللجنة المتساوية الأعضاء.
وشعوري أنّه بفضل الجهود المشتركة للحكومة وللبرلمان بغرفتيه في العلاقات الوظيفية
التي تربطهما، وبفضل العمل الذي أنجزه النواب والتزامهم المشترك، اضطلع البرلمان
على أكمل وجه خلال هذه الفترة التشريعية التي تأتي إلى نهايتها، بالدّور والمكانة
المنوطين به دستوريا في المشهد المؤسساتي لبلدنا.
كما أحيّي إدارة المجلس التي واكبتنا بصفة فعّالة في مهامنا والتي كان لجهودها
الفضل في أن تُحقّق الفترة التشريعية الخامسة هذه الحصيلة.
أشيد أيضا بالدور الذي لعبته وسائل الإعلام التي سهرت على إيصال أصداء نقاشاتنا
للمواطنين والتي أسهمت في بلورة الصورة الصحيحة للعمل البرلماني لدى الجمهور.
نُسدي الشكر الخاص إلى فخامة رئيس الجمهورية، السيد عبد العزيز بوتفليقة، الذي أبدى
دوما احترامه للمجلس ولاستقلاليته، الذي شرّفنا بحضوره بيننا واعتلائه هذه المنصة
التي أخاطبكم منها، بمناسبة الاحتفال بالعيد الخمسين لاندلاع ثورة نوفمبر المجيدة
وتكريم ذكرى المجاهد المرحوم رابح بيطاط.
أيتها السيدات، أيها السادة،
ستكون الأمة، خلال الأشهر القادمة، على موعد مع استحقاقات سياسية هامّة بالنسبة
لمستقبل البلاد، ويقع على كلّ واحد منّا واجب ضمان تامين نجاحها، ورزنامة هذه
الاستحقاقات تشمل، بالخصوص، التعديل الدستوري والانتخابات المحلية وكذا، الانتخابات
التشريعية، وهي الأقرب منّا والحملة التي تسبقها.
وقبل العودة إلى الناخبين، بحثا عن شرعية جديدة يتعين على النواب، ضمن الشروط
والآجال التي يحدّدها القانون، بالاضطلاع بمسؤولياتهم التشريعية إلى غاية انقضاء
الفترة التشريعية، ذلك لأنّه، وزيادة على مشروع القانون المعدّل والمتمّم لقانون
توجيه التعليم العالي الذي أودعنه الحكومة مؤخّرا لدى مكتب المجلس، هناك ما لا يقل
عن ثلاثة مشاريع قوانين لازالت على مستوى اللّجان الدائمة، ويتعلّق الأمر بالمشاريع
المتعلّقة بقانون الإجراءات المدنية والإدارية، والقانون المدني وقانون تسيير
المساحات الخضراء وحمايتها وتنظيمها.
وموعدنا هذا مع مسؤولياتنا التشريعية هو آخر موعد لنا كممثلية وطنية خلال هذه
الفترة التشريعية الخامسة، وهو أيضا فرصة أخيرة تُتاح لكل نائب خلال الأشهر القليلة
المتبقية من عهدته، لكي يضع لبنة بنّاءة في صرح مسيرة بلدنا نحو التقدّم، بوصفه
طرفا تشريعيا انتخبه الشعب وبوصفه شاهدا متبصّرا على عصره.
وهذه الفرصة متاحة أمام النواب لاسيما وأن ما لا يقلّ عن ستّة مشاريع قوانين أخرى
ستعرض علينا بالتأكيد في الأيام المقبلة، وهذه النصوص تشمل مجالات خاصة وحسّاسة في
آن واحد، مثل حالات التنافي والواجبات المتصلة ببعض الوظائف، وقانون المناجم،
والنزاعات في مجال الضمان الاجتماعي، والتربية الوطنية، والتكوين والتعليم
المهنيين، دون إغفال ذلك النص الذي يترقّبه الباحثون الجزائريون والذي يأتي ليعدّل
ويتمّم القانون رقم 98-11 المؤرّخ في 22 غشت 1998 والمتعلّق بالتوجيه والبرنامج في
مجال البحث العلمي والتنمية التكنولوجية.
إن الحكومة التي تولي عناية خاصة لهذا الموضوع، تدرك مدى اهتمام المجلس الشعبي
الوطني بمسألة مواصلة إصلاح منظومة التربية والبحث في بلادنا.
وفي هذا الصدد، لن أمتنع عن التذكير بما سبق أن صرّحت به في مناسبات أخرى : أن
منظومة التربية والبحث، من حيث أنّها نقطة حساسة في المشروع المجتمعي الجزائري، يجب
أن تحقّق انفتاحها على العالم وإلى العالم، وأن تهتمّ بتلقين قيم المواطنة وأن تعمل
على التوفيق بين ما تمليه الأصالة وما تقتضيه المبادئ الكونية، والتوفيق بين ما
حقّقته دَمَقرطة التعليم من مكاسب ومطلب تحسين نوعية التعليم والتكوين.
لقد بات من الواضح أن الابتكارات والاكتشافات التي يتوصّل إليها البحث في العالم
لها الفضل في تحسين ظروف الإنسان المعيشية، والأمم، متقدّمةً كانت أو ناشئةَ، وعياَ
منها بهذه الحقيقة صارت تعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على معطيات العلم والتقدّم
الصناعي، ذلك لأن أبحاث اليوم، في كافة البلدان كما في بلدنا، تضمن منتوجات ومواد
الغد وتؤمّن الشغل في المستقبل.
إن كافة دول العالم تعزّز سياساتها في مجالات التربية والتعليم والتكوين والعلوم
والتكنولوجيا، في إطار استراتيجيات تُسَطَّر بهدف مواجهة التقسيم الدولي الجديد
للعمل، وأمّتنا التي صارت من الأمم البارزة، لا يمكن لها أن تتأخّر في هذا الميدان.
ختاما لكلمتي هذه، أيتها السيدات، أيها السادة، أودّ التوجّه بتشكراّت المجلس
الشعبي الوطني إلى السيد رئيس مجلس الأمة ونوابه، وإلى السيد رئيس الحكومة وأعضاء
طاقمه، وكذا إلى كافة ممثلي أسرة الإعلام الذين شرّفوا النواب بحضورهم الكريم بيننا.
بودّي أيضا أن أوجّه تمنياتي بالنجاح والتوفيق إلى النواب في العمل البرلماني الذي
ينتظرهم خلال الأشهر القليلة القادمة وكذا إلى أعضاء مجلس الأمة وأعضاء الطاقم
الحكومي في مواصلة الإصلاحات المسطّرة في برنامج فخامة السيد رئيس الجمهورية.
أشكر لكم كرم الإصغاء والمتابعة.
تحيا الجزائر،
المجد والخلود لشهداء الثورة الأبرار.