والاجتماعات الملحقة
مداخلة السيد عمار سعداني، رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري، في الجلسة العلنية
السيد الرئيس،
سيداتي، سادتي،
لقد
انتخبت منذ أقل من سنة على رأس الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري، و هذه هي المرّة
الأولى، التي يؤول لي فيها شرف مخاطبة أعضاء هذه الجمعية الموقرة، الاتحاد
البرلماني الدولي.
ولهذا، أودّ في مستهلّ كلمتي هذه أن أغتنم الفرصة المتاحة لي لأعبّر هنا عن عميق
مشاعر التقدير والاحترام التي أكنّها للاتحاد البرلماني الدولي لما يرمز إليه من
قيم في المشهد المؤسساتي المتعدد الأطراف، ولما يجسّده من أساليب ديمقراطية في
التسيير ولما حمله من مبادئ ومُثل إنسانية عليا لعشريات كاملة من الزمن ولما حقّقته
هذه الهيئة من تقدّم لا في ميدان مكافحة كافة أشكال التمييز إزاء النساء فحسب بل،
وبشكل جوهري، في مجال ترقية مجمل حقوق الإنسان وتكريس الحوار بين الشعوب عبر هؤلاء
الذين اختارتهم شعوبهم ليكونوا الّناطقين باسمها.
وأودّ، كذلك، أن
أشاطر كل من سبقوني في هذه المنصة لإعرابي عن تهانيّ وأمانيّ بالنجاح لشخص الرئيس
ونوابه المنتخبين لإدارة أشغال هذه الجمعية الـ 112، كما أودّ التنويه بالدور
الموكل لكم السيد الرئيس وأنتم تعتلون هذه الهيئة الموقرة، متمنيا النجاح لأعمالنا،
تحت قيادتكم، في تثمين هذا الرّصيد من الاستعدادات المشتركة الذي نتوفر عليه في هذه
القاعة والكفيل بتثبيت وترسيخ توافقنا حول كافة المسائل الجوهرية.
السيد الرئيس،
سيداتي، سادتي،
إن هدف المساواة في مجال الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء، وبالتالي، إعطاء المرأة دورا ومكانة أكبر، سواء في الدوائر الاقتصادية والثقافية والاجتماعية أو في الساحة السياسية الوطنية، هذا الهدف إذن يشكّل بُعدا يفرض نفسه على كافة الأصعدة وعنصرا مُؤسّسا لكافة السياسات العمومية الجزائرية.
فهذا الهدف، يعكس توجيهات واضحة للسلطات العمومية الجزائرية، لا سيما وأن البرنامج والمسعى اللذان تبنّهما في هذا المجال فخامة رئيس الجمهورية الجزائرية وحكومته كرّسهما البرلمان على الصعيد التشريعي.
وهكذا، فإن السياسة الجزائرية كما تعكسها مختلف مشاريعها القطاعية لا يمكن أن يكون لها اثر على وضعية المرأة إلاّ إذا كان الهدف المنشود من ذلك هو المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء، لأن هذه المساواة تشكّل أحد المبادئ المُؤسِّسة للسياسة الوطنية.
فالجزائر تواصل جهودها الحثيثة لكي تتجسّد هذه المساواة التي باتت واقعا ملموسا في الدوائر الاجتماعية والتربوية والثقافية، بخطوات جديدة على طريق التقدّم في الميادين السياسية والاقتصادية وعلى صعيد الوضع الاجتماعي المهني والشخصي للمرأة.
إن مجلس حماية وترقية العائلة والمجلس الوطني للمرأة اللذين أحدثتهما الجزائر، وكذا مراجعة قانون الأسرة المصادق عليه مؤخرا والذي تمّ بموجبه إعادة التوازن في الحقوق والواجبات بين الزوجين تماشيا مع ما ينصّ عليه دستور البلاد وما تقتضيه التزاماتنا الدولية وقيمنا الحضارية، كلّ ذلك إنّما هو استجابة لهدف ترقية المرأة وتحسين وضعها.
لقد
أضحى، اليوم التمدرس الشامل للفتيات، وعلى كافة مستويات التعليم أمرا مضمونا؛ كما
أن نسبة مشاركة المرأة في عالم الشغل صارت ترتفع بوتيرة معتبرة وباتت النساء
تتوليّن بشكل متزايد مسؤوليات سياسية واقتصادية و وظائف سامية وفي أعلى رُتب الوظيف
العمومي بوجه خاص.
لقد مثّلت النساء الجزائريات عام 2004 ، 69 %
من الصيادلة و64 %
من جراحي الأسنان، و53 %
من المهن الطبية، و55%
من الصحافيين و54 %
من الطلبة المسجلين في الطور الثانوي والجامعي و45 %
من أساتذة الطب و35 %
من سلك القضاة.
ففي بلادنا التي صارت تضمّ 6000 امرأة مقاولة منضويات في جمعية قوية، تتبوّأ النساء مسؤوليات عديدة، إذ أنّهن يشغلن منصب نائب لرئيس مجلس الأمة ووزيرات، وأعضاء في مجلس الأمة ونائبات وواليات، وسفيرات ورئيسات محاكم، و ضابطات ساميات في الجيش ورئيسات لجامعات ورئيسات لأحزاب سياسية ومترشحات للانتخابات الرئاسية التعدّدية.
ورغم هذه النتائج و هذا الزخم الذي يحمل في طياته مؤشرات التقدّم بالنسبة لمجتمعنا، مازال الكثير من العمل ينتظر التحقيق، لرفع العوائق العديدة التي تعترض الترقية الكاملة للمرأة الجزائرية.
إن هذه العوائق التي مازلنا نشهدها في الجزائر هي ناتجة أكثر عن وطأة الذهنيات والعادات والتقاليد الاجتماعية، ممّا هي ناتجة عن النّصوص القانونية التي تحمي كلّها المرأة ليس من خلال تكريس نفس الحقوق الممنوحة للرجل فحسب، بل كذلك بالتنصيص على العقاب الجنائي لكافة أشكال التمييز إزاءها، ذلك لأن المرأة الجزائرية تتمتّع بحماية واسعة بدءٌا من الدستور إلى القانون المدني وقانون العقوبات والقانون التجاري، وقانون الانتخابات والقانون الخاص بعلاقات العمل، والقانون الخاص بالتقاعد وقانون الجنسية الجديد، وكذا قانون الأسرة المعدّل مؤخرا.
كما أن المرأة الجزائرية محمية بموجب الاتفاقية الخاصة بالقضاء على كافة أشكال التمييز إزاء النساء و هي الاتفاقية التي وقّعتها الجزائر؛ وهي محمية بموجب كافة القوانين التي تسيّر الحياة العامة في الجزائر، فلا نصّ من نصوصها يتضمن تمييزا إزاء النساء.
وهكذا، ينص القانون الجزائري على أن النساء يتمتّعن بحقوق نوعية خاصة بشروط العمل العامة وبالوقاية من الأخطار المهنية، ويمنع القانون الجزائري كذلك قيام النساء بالأعمال الخطيرة و المضرّة بالصحة أو المؤذية، كما أنه يمنع أي حصر للحقوق أو المزايا اعتمادا على الجنس.
القانون الجزائري يمنح امتيازا تفضيليا يقدّر بخمس سنوات (05) للمرأة العاملة التي يمكنها التقاعد في سن 55 سنة، فيما تحدد الأحكام المشتركة هذا السن بـ 60 سنة للرجل، وهذا الامتياز المتمثل في التقاعد المبكّر لا يُفقد المرأة حقّها في الاستفادة، مثل الرّجل من منحة تقاعد محدّدة بـ 80 % بالنسبة للجنسين.
وينص القانون الجزائري، علاوة على ذلك، على منع عمل المرأة أيام الراّحة الشرعية، ومنع قيامها بأعمال خطيرة أو مضرّة بالصحة أو مؤذية لها، ومنع إيقاف علاقة العمل في المرحلة التي تسبق الولادة أو تأتي بعدها ومنع الفصل النهائي في المرحلة التي تسبق الولادة أو تأتي بعدها، كما ينص القانون الجزائري على استفادة المرأة من ساعات الإرضاع ومن أجرها الكامل خلال عطلة الأمومة، ومنع العمل الليلي والاستفادة من حالات الاستيداع وفق ما تقتضيه العديد من الحالات.
لقد كانت المرأة الجزائرية في طليعة محاربة الإرهاب التي قادتها قوى التقدم من أجل إنقاذ الجمهورية في الجزائر، بحيث أثبتت مجدّدا جدارتها في الكفاح والفوز في نهاية المطاف على القوى الظلامية.
فبلادي الجزائر التي أتشرّف بمخاطبتكم باسمها هي جزائر متصالحة مع نفسها مستقرة سياسيا وآمنة، وهي اليوم تخوض مجالات طموحة على درب الإصلاحات التي تُعدّ المرأة جزءا لا يتجزّأ منها.
السيد الرئيس،
سيداتي، سادتي،
وبغض النظر عمّا قطعته بلادي من أشواط والجهود التي تنوي مواصلتها، هناك في العالم مناطق لازالت تسجّل سلوكات من عهود ولّت، تنكر للمرأة أبسط حقوقها الأساسية وذلك باسم مبادئ كاذبة.
إنّني أرى شخصيا أنه يؤول لمؤسسات كالإتحاد البرلماني الدولي، بالنظر إلى المبادئ التي يدافع عنها والتجربة الإيجابية التي يتمتّع بها، التعاون، بشكل وثيق، مع المنظمات العالمية الأخرى المعنية التابعة لهيئة الأمم المتّحدة، وتماشيا مع ما تصبو إليه الشعوب التي نمثلها، من أجل إعطاء نَفَسٍ جديد لمسيرة النساء الطويلة على درب المساواة والكرامة.
وأمنيتي هي كذلك أن تتحوّل مبادرتكم، السيد الرئيس، و كلّ ما سنوفّق في إرسائه من روابط في إطار الجمعية 112 للاتحاد البرلماني الدولي إلى شبكة واسعة تربط خيوطها المتداخلة كل الإرادات البرلمانية الطيبة عبر العالم، و تجتاز حدود النسيان واللامبالاة وترسي جسورا جديدة بين مؤسساتنا التشريعية الخاصة وجمعياتنا ومواطنينا من أجل أن تتقدّم القضية النبيلة المتمثلة في المساواة بين النساء والرجال عبر العالم.
لأن الأمر يتعلّق بمبدأ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان و لأن الأمر يتعلّق بمستقبل الإنسان .
اشكر لكم كرم الإصغاء والمتابعة.