خطاب
معالي السيد عمّار سعداني
رئيس المجلس الشعبي الوطني
بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية لسنة 2005


الجزائر، في 03 سبتمبر 2005


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السيد رئيس مجلس الأمة،
السيد رئيس الحكومة،
السادة وزراء الدولة،
السادة الوزراء،
السيدة والسادة أعضاء مكتب مجلس الأمة،
زميلاتي، زملائي النواب،
السيدات والسادة ممثلو وسائل الإعلام،
الضيوف الكرام،

أرحّب بكم وأشكركم على حضوركم معنا مراسيم افتتاح دورة الخريف التي تتزامن مع دعوة فخامة رئيس الجمهورية الهيئة الناخبة للاستفتاء الشعبي حول ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي يعدّ من المحطات التاريخية المشرقة التي تضاف إلى رصيد الأمة وسجلها الحافل بالأمجاد والانتصارات.

أيّتها السيدات، أيّها السادة،

منذ أيام، ودع المجلس الشعبي الوطني واحدا من أعضاءه، المرحوم أحمد قرزة، الذي ألتحق بالرفيق الأعلى في سن التاسعة والخمسين.

لقد كان المغفور له دائم الحضور بجديته المعهودة وحرصه على المشاركة الفعالة في أنشطة المجلس، فبرحيله، خلف فراغا رهيبا في هذه القاعة التي لا تزال تدوي بصدى مداخلته حول مسألة المراقبة المالية، وهو الذي يحفظ له كل واحد منا افتخاره بمهمته النيابية وروح المبادرة وحماسه في أداء وظيفته البرلمانية.

إنّنا برحيله نفقد عضوا متحمّسا وموهوبا، ونائبا محبوبا محترما يصغى إليه، وبرلمانيا مكّنته بصيرته من الظفر بتقدير الجميع وأخا كانت خصاله مفخرة لمجلسنا ورجلا بتنا نفتقد صوته وكفاءته.

إن نواب المجلس الشعبي الوطني إذ يترحمون على روح الفقيد، فإنهم يجددون الشكر لكل الذين قاسموا أسرة المرحوم وعائلته البرلمانية مشاعر الأسى والحزن.

ومنذ أيام أيضا فقدت الجزائر في أرض الرافدين اثنين من دبلوماسييها المقتدرين هما علي بلعروسي وعزالدين بلقاضي، اللذين أودت بهما يد الغدر المقيتة وهمجية الإرهاب.

إن نواب المجلس الشعبي الوطني يعبّرون مرة أخرى عن استنكارهم وإدانتهم لهذا الاغتيال الجبان الذي اقترف في حق دبلوماسيينا، ويجدّدون اليوم عبارات المواساة والتأثر لعائلاتهما ولكافة الأسرة الدبلوماسية الجزائرية.
وإن كنا لا نملك ردا لقضاء الله وقدره، فإننا ندعوه جلّت قدرته أن يتغمد أرواح النائب أحمد قرزة، وعلي بلعروسي وعز الدين بلقاضي الزكية بواسع رحمته وأن يسكنها فسيح جنانه ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، وبهذا المصاب الجلل أستسمحكم سيداتي، سادتي الوقوف دقيقة صمت ترحما على أرواحهم.

ـ دقيقة صمت ـ
     {الله أكبر}

أيّتها السيدات، أيّها السادة،

يتضمن جدول أعمال دورة الخريف التي نستهلّها اليوم ملفات ذات أهمية جوهرية لمواصلة الإصلاحات المسطّرة في برنامج فخامة السيد رئيس الجمهورية، والمجلس الشعبي الوطني عازم على مواصلة الاضطلاع بكافة المهام التي يُخوّله إياه الدستور، والسّهر، على وجه الخصوص، على أن تُجسّد النصوص التي ستبادر بها الحكومة والتي سيتولى المجلس إثراءها وتعديلها تعديلا بنّاءا، و التصويت عليها تجسيدا كاملا للبرنامج الرئاسي الذي زكّاه الشعب في 8 أبريل 2004.

ففضلا عن النصوص الأربعة التي بلغت دراستها مرحلة متقدّمة خلال الدورة المنصرمة، و المتمثلة في مشاريع القوانين المتعلّقة بالمدينة و بتنظيم مهنتي الموثق والمحضر القضائي و بالوقاية من الفساد ومحاربته، فقد تمّ إلى غاية اليوم، إيداع عشرة )10( مشاريع قوانين جديدة على مكتب المجلس الشعبي الوطني، تعالج مسائل أساسية مثل المناطق الحرّة وقانون الإجراءات الجزائية وإثبات حق الملكية العقارية والتأمينات وتنظيم البلدية والولاية وشركات رؤوس الأموال الاستثمارية وتوريق القروض الرهنية ومكافحة التهريب وكذا قانون المالية التكميلي لعام 2005.

إضافة إلى هذه الملفّات التي سيتمّ، بدءا من الغد، استئناف دراستها أو الشروع فيها، سيتمّ قريبا إيداع مشاريع قوانين أخرى على المجلس الشعبي الوطني، تعالج مسائل متّصلة بالتعليم في المؤسسات التربوية والتعليمية الخاصة، وقانون الإجراءات المدنية والإدارية والقانون الأساسي العام للوظيف العمومي وبالصحّة وتنظيم النشاط الاجتماعي وترقيته، والطيران المدني، وقانون الملاحة البحرية، هذا بالإضافة إلى قانون المالية لسنة 2006.

إنها آفاق تعد بعمل مثير حقا يتيح الفرصة لكل نائب لتقديم مساهمته في النقاشات الثرية التي ستعرفها ملفات الإصلاحات، ملفات حاسمة سواء بالنسبة لمعيشة المواطن وتحسين ظروفه الاجتماعية أو بالنسبة لمستقبل البلاد الاقتصادي وتكريس مبادئ الحكم الراشد.

وفي هذا الصدد، لا زال المجلس الشعبي الوطني على قناعة تامة أن إصلاح المؤسسات المالية والمصرفية يشكّل أحد الإصلاحات الملحّة الواجب الشروع فيها بالنظر إلى ما لهذا القطاع الحساس من وظيفة محورية وما يتميّز به من منظومة يتوقّف عليها تسيير الاقتصاد والسير الحسن للمجتمع.

وسيكون نواب الشعب في طليعة القوى الوطنية الداعمة لبرنامج الإصلاحات الطموح الذي تقدّم به فخامة رئيس الجمهورية، وهم أكثر حرصا على تنفيذ التزاماته ولن يدّخروا جهدا من أجل التجسيد الفعلي لكل ما تضمن من بنود وأفكار ومشاريع وكل ما يهدف إليه من ترقية حقيقية في كل القطاعات وتمكينها من أداء المهام والوظائف والأدوار المنوطة بها على أكمل وجه.

فإنّنا من جهة أخرى نأمل من الحكومة تسريع وتيرة عملها وتكييفها مع الطابع الاستعجالي الذي يكتسيه إنجاز الأهداف المسطرة في برنامج رئيس الجمهورية.

فلا يحق لنا برلمانا وحكومة، ونحن نتوفّر على كل مؤهلات النجاح هذه وكلّ الامتيازات أن نخفق في طموحنا للدفع بالجزائر على درب التقدّم والازدهار، وسيكون النجاح حليفنا، بقدرة الله تعالى، لتحصّننا بإرادة جماعية للنجاح.

أجل، بإمكاننا أن ننجح، وسنسخّر كل مؤهلات النجاح وسيكون نجاحنا أكبر إذا ما كان السلم المدني والاستقرار والتماسك على موعد مع ما سنخوضه من مشاريع وأعمال.

أيّتها السيدات، أيّها السادة،

لقد بادر السيد رئيس الجمهورية، وعيا منه بهذه الحتمية، التي جعل منها أولى أولوياته، بإخماد نار الفتنة، منذ بداية عهدته الأولى، بإعادة السلم داخل المجتمع واستعادة أمن الأشخاص والممتلكات، قبل أن يكرّس جهوده للورشات الإصلاحية الضخمة التي أرادها لخير البلاد، منذ أن وصل إلى سدّة الحكم.

إن فخامة السيد رئيس الجمهورية، بصفته قاضي البلاد الأوّل، محتكما إلى تعاليم ديننا الحنيف، وإلى الدستور و روح القوانين الجزائرية، ومُغترفا من تقاليدنا وقيمنا العريقة، قيم الكرم والتضامن والرّحمة والصّفح، قرّر لمّ شمل أبناء الأمّة، من خلال إعداد مسعى شامل لاستعادة الوئام المدني، وعرضه على الشعب الجزائري في استفتاء شعبي تاريخي، وهو المسعى الذي زكّاه المواطنون و المواطنات بالأغلبية الساحقة في 16 سبتمبر 1999.

إن تطبيق القانون المتعلّق باستعادة الوئام المدني والنصوص المتّخذة لتطبيقه، فتح أبواب التوبة أمام الآلاف ممّن ضلّوا جادّة الطريق في فترة من حياتهم، ثمّ وضعوا السلاح وأندمجوا في المجتمع.

إن الجزائر التي قطعت شوطا هاما على درب السلم والأمن الذين يتطلّع إليهما الشعب الجزائري وذلك بفضل هذا القانون، على وجه الخصوص، خرجت من هذه المأساة في تاريخها أقوى من أي وقت مضى، و هذه المحنة، على قسوتها ومرارتها، لا تخلو من العبر إنّها تجربة ستحفظ جميع دروسها للأجيال القادمة.

إن مشروع المصالحة الوطنية يعكس حقّا مشاعر الإخلاص التي يتحلّى بها رئيس الجمهورية إزاء الشعب ويعزّز إرادته الحازمة لأن ينعم الجزائريون والجزائريات بالسلم والأمن الذي هم في أمس الحاجة إليه من أجل أن يعيشوا حاضرهم ومستقبلهم في كنف الأمن والسلم والسكينة.


لقد أراد الله بأمتنا خيرا أن يسّر لها من أمرها رشدا وحباها برجل من صلبها أوكلته أمرها ليكون قاضيها وراعي حماها يسوس بحكمته وسداد رأيه وضعا كان عسيرا، فبادر بالوئام المدني الذي كان فيه خلاص من ضلت بهم السبل وعادوا إلى أحضان الأم الرؤوم جزائر الشهداء والخير.

هاهو ذا ميلاد فجر جديد يهل على البلاد معلنا نهاية أزمة طال أمدها، أزمة كانت وراء تغذية لهيبها أطراف لا ترضى صلاحا ولا تقبل نماء أو ازدهارا ولا تطمئن لاستقرار وأمن، وهاهو الشعب وحده يكشف مخاطر المنزلقات ويستدرك ما فات، قابضا على الجمر، كامدا للجراح كاظما للغيظ ولكنه مكابر عنيد عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن ومستقبل الأجيال.

هي ذي إرادة الشعب تتجسد في ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي تعهّد به فخامة رئيس الجمهورية وهاهو يفي بالعهد "ألا أوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا" صدق الله العظيم

إن الميثاق من أجل السلم والمصالحة، الذي استمدّ جوهره في تصوّره وصياغته من نُبل وعظمة أمّة حريصة على إعادة إرساء روابط التفاهم والأخوة بين كلّ أبناءها، لهو ثناء وإشادة بالجيش الوطني الشعبي وكل أسلاك الأمن وأولئك الذين، بفضل تضحياتهم، وقفوا درعا حصينا في وجه الإرهاب المقيت من أجل الدفاع عن الجمهورية ووحدة الأمة.

والميثاق هو أيضا فرصة جديدة لأولئك الذين لم يضعوا السلاح جنوحا للسلم.


واعتمادا على نفس المقاربة التصالحية ومنطق التعويض إزاء الضحايا، فإن الميثاق جاء ليعالج أيضا تلك المسألة المأساوية، مسألة المفقودين، بعيدا عن ذلك التوظيف الدّنيء الذي ابتغته أوساط أجنبية معادية لبلادنا.

إن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية يشكل المخرج الأمثل للجزائر من أزمتها، لأنه الدعامة الأساسية لكل تنمية ورقي.

فلا رخاء ولا تنمية ولا تقدم والأمة في حيرة ضائعة معالمها.

نعم سيكون أبناء الجزائر في الموعد للرد على المتاجرين بآلامه والمتلاعبين بمصير أجياله، وسيقف الشعب في وجه المناوئين له والعاملين على التشكيك في مساعيه وكل أولئك الذين كانوا وراء تعميق جراح الشعب وإطالة عمر أزمته والمتاجرة بدماء الأبرياء للحفاظ على الريوع، وذلك بتلبية نداء الضمير الخالد، وصوت الحق الصادح الذي يحمل في أعماقه الصفح الجميل والصلح والسلم والأمن.

أيّتها السيدات، أيّها السادة،

إن يقيننا لكبير أن الشعب الجزائري الذي كان دوما حاضرا في مواعيد تاريخية كبرى سيُغلّب يوم 29 سبتمبر 2005 المقبل حكمته الواسعة المنغرسة فيه بما يجعل السلم والمصالحة الوطنية يتجذّران في نفس أبناء وطننا و يترسّخان كطريق لا محيد عنه من أجل أن يعود الاستقرار، هذا الاستقرار الذي يشكّل ركيزة للوئام داخل المجتمع ومصدرا له، ومن ثمّة، للتماسك والوحدة الوطنية.

من هذا المنظور، فإنّه من مسؤوليتنا، ومن واجبنا المقدّس، أن نتجنّد حتى نجعل من 29 سبتمبر 2005 يوما تاريخيا يكتب فيه النصر للسلم والمصالحة الوطنية بفضل إرادة الشعب ومن أجل خير الشعب.

أيّتها السيدات، أيّها السادة،

اسمحوا لي أن أرفع باسمكم أخلص عبارات الشكر إلى السيد رئيس مجلس الأمة والسيدة والسادة أعضاء مكتب مجلس الأمة على حضورهم معنا الافتتاح الرسمي لهذه الدورة التشريعية، وأتوجه بالشكر إلى السيد رئيس الحكومة وطاقمه الوزاري على الحضور والمشاركة والتعاون.

وأشكر كافة ممثلي وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب على نقل وقائع هذه الجلسة وتغطية نشاط المجلس بموضوعية واحترافية، وأرجو لهم مزيدا من التوفيق في إرساء قواعد إعلام وطني نزيه وشفاف وموضوعي من أجل إطلاع الرأي العام الوطني على مجريات الأحداث وإعلامه بالحقائق خدمة للجزائر وتحقيقا لاستقرارها وازدهارها.

وأتمنى لأشغال دورتنا هذه أن تكلّل بالنجاح وتحقّق ما هو مسطر من برامج وأهداف.

وأتمنى لشعبنا أن يحقق ما يصبو إليه من آمال وتطلعات في السلم والمصالحة وأن يصفح الصفح الجميل ويشرع بإخلاص في طيّ صفحة الماضي المؤلم وبناء صرح المستقبل السعيد، مستقبل الجزائر الشامخة، جزائر الوفاء لمن منحوا أرواحهم زكية طاهرة من أجل أن نحيا في كنف الأمن والأمان والرخاء والنماء.
{ربّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات} صدق الله العظيم

أشكركم على كريم الإصغاء

والسلام عليكم ورحمته الله وبركاته.