الجمهوريـة
الجزائريـة الديمقراطيـة الشعبيـة
المجلس الشعبي الوطني
خطـــاب
السيد عمار سعداني،
رئيس المجلس الشعبي الوطني،
في مراسيم افتتاح دورة المجلس الشعبي الوطني الربيعية 2006
_______
الجزائر في 04 مارس 2006
بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
السيد رئيس مجلس الأمة،
السيد رئيس الحكومة،
السادة وزراء الدولة،
السيدات والسادة الوزراء،
السيدات والسادة النواب وأعضاء مجلس الأمة،
السيدات والسادة ممثلو أسرة الإعلام،
أيها الحضور الكرام،
شيّع المجلس الشعبي الوطني، في الفترة ما بين الدورتين، جنازة أحد أعضائه،المرحوم
محمّد عوفي، الذي التحق بالرّفيق الأعلى في سن الخامسة والخمسين.
في رحاب هذا المجلس الذي ربط فيه الكثير من الصداقات، كما في دائرته الانتخابية
الجزائر التي تحفظ له ذكرى المنتخب المحبوب المتفاني في خدمتها، جعل المغفور له من
التضامن ومن التقدّم والعدل جوهر نضاله السياسي تحت هذه القبة البرلمانية التي
لازالت تدوّي بأصداء صوته.
إنّ خصال التواضع والرّصانة والطيبة والبساطة التي يشهد بها الكثير للمرحوم جسّدت
أنبل المعاني التي يحملها النضال السياسي بصفة عامة والمهمّة البرلمانية على وجه
الخصوص.
وأمام هذا المصاب الجلل، نسأل الله عزّ وجلّ أن يتغمّد الفقيد برحمته الواسعة وأن
يسكنه فسيح جنانه ويلهم ذويه الصّبر والسلوان.
وأدعوكم، أيتها السيدات، أيها السادة للوقوف دقيقة صمت وترحّم على روح الفقيد محمّد
عوفي.
دقيقة صمت .
" إنّا لله وإنّا إليه راجعون"
صدق الله العظيم.
أيتها السيدات، أيها السادة،
إن الدورة البرلمانية التي نستهلّها اليوم هي الدورة الرّبيعية ما قبل الأخيرة من
عمر هذه الفترة التشريعية الخامسة.
وهي موعد تشريعي حاسم يندرج ضمن مسار مواصلة الإصلاحات التي سيحفظها بالتأكيد تاريخ
بلادنا، إصلاحات باشرها فخامة السيد رئيس الجمهورية تطبيقا للبرنامج الذي زكّاه
الشعب الجزائري بالأغلبية الساحقة يوم 8 أبريل 2004.
وهذه الدورة تضرب لنا، كممثلية وطنية، موعدا حاسما آخر مع التاريخ، بالنظر إلى
ضخامة الرهانات التي تحملها هذه الإصلاحات، وها هي الفرصة تتجدّد اليوم لكلّ نائب،
بوصفه طرفا في الحياة التشريعية انتخبه الشعب وشاهدا متبصّرا لعصره، لكي يُقدّم
خلال هذه المدة المتبقية من عمر عهدته النيابية إسهامه البنّاء ويضع لبنة هامة في
صرح مسيرة بلادنا نحو التقدّم.
والفرصة متاحة أمام النواب لتحقيق ذلك، لاسيما وأن ما لا يقلّ عن ست عشرة مشروع
قانون تمهيدي بلغت مرحلة متقدّمة من الدراسة على مستوى مختلف الإدارات الحكومية،
ستعرض قريبا علينا، وهذه النصوص تخصّ مجالات بالغة الأهمية، كالتوجيه العقاري،
وكيفية استغلال الأراضي الفلاحية التابعة للأملاك الخاصة للدولة، وحقوق المنتجين
الفلاحين وواجباتهم،والصحّة والقانون الأساسي العام للوظيف العمومي، ومنظومة
المحاسبة المالية، وصناديق الاقتصاد، وتنظيم النشاط الاجتماعي وترقيته، دون إغفال
النصّ الذي ينتظره الكثير من الباحثين الجزائريين وهو النص الذي يعدّل ويتمّم قانون
التوجيه والبرنامج حول البحث العلمي والتطوّر التكنولوجي.
هذا، ولأن الحكومة نفسها تولي بالغ الاهتمام لموضوع إصلاح المؤسسات المالية
والمصرفية إصلاحا عميقا فإنّها تدرك مدى ما يوليه المجلس الشعبي الوطني من شأن لهذه
المسألة.
وفي هذا الصدد، فإنّني لن أتوارى عن التذكير بما سبق لي التصريح به من هذه المنصّة:
أن المجال المالي والمصرفي، من حيث أنّه مركز حساس ومعضلة حقيقية في الاقتصاد
الوطني، فإنّه يمثّل أكثر من مجرّد قطاع، بالنظر إلى الوظيفة المحورية والتوزيعية
التي ينفرد بها، فالسّير الحسن للاقتصاد والمجتمع مرهون في الواقع بالمنظومة
المالية والمصرفية، ما دام أن المهمّة الجوهرية لهذه المنظومة هي تخصيب الإبداع
الإنساني، وتثمين المبادرات ومواكبة المواطن في المشاريع التي يُباشرها طيلة حياته.
ألم يسبق لفخامة السيد رئيس الجمهورية أن صرّح أمام إطارات الأمة، أنّه ينتظر من
مسيّري البنوك الإسراع بالإصلاح المصرفي لتزويد اقتصادنا بإطار ملائم للنمو
وللاستثمار، وأنّه من الحيوي بمكان أن يشارك القرض البنكي والسوق مشاركة أكبر في
التنمية وفي تحقيق النمو في بلادنا، وأن التأخّر في الإصلاح المصرفي لم يعد مقبولا
ولا مسموحا به ؟
وفي انتظار أن تحال هذه النصوص على المجلس متى تمّ استكمالها، يوجد بين أيدينا
اليوم مشروع القانون المعدّل والمتمّم للأمر الصادر في 1966 والمتضمن قانون
الإجراءات الجزائية، والمجلس مدعو لمواصلة واستكمال دراسته والبت فيه.
وهناك أيضا، قيد الدراسة، ثلاثة مشاريع قوانين تندرج ضمن إطار الإصلاحات
الاقتصادية، وتخص هذه النصوص إلغاء الأمر المؤرخ في 2003 والمتعلّق بالمناطق الحرة،
وشركات رأس المال الاستثمارية وكذا إحداث إجراء معاينة حق الملكية العقارية وتسليم
سندات الملكية عن طريق تحقيق عقاري.
إلى جانب ذلك، يُنتظر أن تقوم الحكومة بإيداع سبعة مشاريع نصوص هامّة لدى مكتب
المجلس خلال هذه الدورة، وتتعلّق هذه النصوص بالقانون الأساسي العام للمستخدمين
العسكريين، وكذا بشروط وقواعد ممارسة الشعائر الدينية غير الإسلامية، وقانون
الإجراءات المدنية والإدارية، وحماية الطفل، وقانون العقوبات، وكذا إجراءات تشجيع
ودعم ترقية الشغل، وهذا دون إغفال مشروع القانون المتعلّق بالموافقة على الأمر
المتضمّن تنفيذ الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية.
وفي هذا الصدد، أدعو السادة النواب الموقّرين إلى الإسراع بدراسة و التصويت على
الأحكام التشريعية التي يقتضيها التطبيق الكامل والتام و الجدّي لميثاق السلم
والمصالحة الوطنية، فور عرض الحكومة لهذه الأحكام على نظرهم.
فإذا كان الشعب الجزائري قد زكّى هذا الميثاق بنسبة 97,36 % من الأصوات المعبّر
عنها في استفتاء 29 سبتمبر المنصرم، فإنّه من الطبيعي أن يعمل النواب، بوصفهم ممثلو
الشعب الذي عيّنهم، على تجسيد الإرادة التي عبّر عنها الرأي العام، من خلال تزكية
كافة التدابير التطبيقية المنبثقة عن هذا الميثاق.
وبغضّ النظر عن التدابير التي سيتولى النواب التصويت عليها، فإن المجلس الشعبي
الوطني يوجّه النداء للجزائر قاطبة، من خلال كافة الشرائح المكوّنة لمجتمعها
المدني، للأحزاب السياسية، والجمعيات والعالم النقابي، ولوسائل الإعلام، العامة
منها والمستقلة، وللأسلاك المؤسسة، والجماعات المحلية وللمواطنين والمواطنات، من
أجل أن يخوض الكلّ، جماعة وفرادى، معترك تطبيق الميثاق، في حرفه وروحه.
والمجلس الشعبي الوطني يتوجّه بهذا النداء أيضا إلى أولئك الذين ضلّوا السبيل ولم
يعودوا بعد إلى جادة الطريق، أولئك الذين تحلّت من أجلهم الأمّة بثوب الرّأفة،
ويناشدهم اغتنام هذه الفرصة الجديدة، بل هذه الفرصة الأخيرة للاعتراف بذنبهم أمام
الشعب، صاحب السيادة، والدخول تحت لواء الجمهورية والعودة إلى صفوفها من خلال
الامتثال للقانون من أجل الاستفادة من التدابير الرّحيمة التي جاء بها.
إن المسؤولية تقع على الجميع من أجل أن تُصبح المصالحة الوطنية حقيقة ميدانية بيّنة
نلمس ثمارها يوميا على أرض الواقع.
ولأن الحفاظ على السلم الاجتماعي يُشكّل بعدا من أبعاد المصالحة الوطنية، فإن
المجلس الشعبي الوطني يُهنّئ الطبقات العاملة التي احتفلت يوم 24 فبراير المنصرم
بالذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين، ويتمنّى النجاح للمشاورات
التي تعتزم الحكومة مواصلتها مع المتعاملين الاجتماعيين في إطار الثلاثية.
إن الهيئة البرلمانية على قناعة من أن تضافر الحوار والتشاور مع التفكير الصّائب
سيمكّن عالم الشغل من جهة، من خلال ممثلي العمّال وممثلي أرباب العمل على حدّ سواء،
والسلطات العمومية المعنية من جهة أخرى، من إيجاد السبيل الذي تلتقي فيه مصالح كل
طرف، السبيل الذي يُوفّق بين الإكراهات الموضوعية للبعض والانشغالات المشروعة للبعض
الآخر.
وتأكيدا لما جاء به فخامة السيد رئيس الجمهورية منذ أسبوع من طلب أمام إطارات
الاتحاد العام للعمّال الجزائريين، فإن المجلس الشعبي الوطني يحثّ الأطراف في
الحوار الثلاثي على إبرام عقد اقتصادي واجتماعي يكون بمثابة الثمرة المتوِّجة
للتشاور بينهم وعربون إرادتهم المشتركة لترجيح القضية الوطنية وإعلائها على كلّ
مصلحة، وهذا العقد سيكون كفيلا بإرساء علاقات ثقة دائمة بين النقابات والسلطات
العمومية، لاسيما وأن الدولة تواصل تسخير جزء كبير من مواردها لتمويل أهداف التنمية
البشرية، والمؤشرات الاقتصادية الكبرى التي صارت منذ عدّة سنوات متتالية على موعد
مع تطلّعاتنا وآمالنا تسمح بإبقاء الباب مفتوحا أمام زيادة متّفق عليها في الأجور.
أيتها السيدات، أيها السادة،
ففي الوقت الذي تلاحمت فيه أصوات البرلمانات الإسلامية مع أصوات الكثيرين عبر
العالم، منادين بجعل حوار وتحالف الثقافات والديانات خيارا فاضلا في مواجهة ذلك
الخطر المتربّص والمهدّد بصدام الحضارات، برزت على ساحة الأحداث الدولية أشكالا
مفاجئة من الأخطار التي تهدّد التعايش المنسجم بين شعوب العالم، من خلال محاولة خلق
صراع في عمق ما تملكه هذه الشعوب من أقدس المقدّسات : إيمانهم وحريتهم.
إلاّ أن هذه المحاولات مآلها الفشل، لأن الإيمان والحرية لا يتعارضان ولأنّه لا
يوجد أي تناقض في إرادة الجمع بينهما ، من أجل صهر سلوكات ترقى إلى عظمة الإنسان
ومجده في كنف احترام قيمه الروحية، لأن شعوب المعمورة كافة لن ترضى المساس برموز
عقيدتها ومشاعرها الدينية و لا ببيوتها المقدّسة.
لن يرضى مسلم واحد من بين المليار و 500 مليون مسلم في هذه المعمورة المساس برموز
الإسلام المقدّسة، ولا بما يجسّد عقيدته الإسلامية ولا بمشاعر إيمانه بالله عزّ
وجلّ وبرسوله الأعظم صلى الله عليه وسلّم، ولا ببيوته المقدّسة ولا بمساجده ولا بأي
رمز من رموز عقيدته، ويبقى الذّود عن هذه الرموز بالطرق السلمية وفي كنف احترام
النفس البشرية، حقّا لكل مسلم وواجبا عليه.
فمحاولة جعل حرية التعبير فوق احترام الديانات أو دونها، أمر فيه زيغ، لأن حرية
التعبير تقتضي وتفترض وتستلزم احترام الديانات، وهي تؤسس، باقترانها مع واجب
الاحترام هذا، منهَلاً للتجدّد الروحي المتبادل، من حيث أنها تُكرّس حقّا إنسانيا
أساسيا، مثلما أن حرية المعتقد تُكرّس حقا إنسانيا آخر، هو أيضا حق أساسي لا تقادم
فيه ولا مجال للتصرّف فيه.
وحرية التعبير لا يمكن تصوّرها ولا العمل بها إلاّ في كنف احترام الديانات
والمعتقدات والشعائر الدينية باسم ما تجسّده التعاليم الدينية لدى الإنسان ولدى
البشرية جمعاء من قيم أساسية، قيم السّلام والتسامح.
وحرية الصحافة أرقى من أن تقتحم مجالا مقدّسا وتصدم مشاعر المؤمنين، فرسالتها
ومهمّتها هي خدمة الحوار والتفاهم بين الشعوب، وهما خطوة أولى نحو تحقيق التقارب
بينهم والتحالف حول أهداف السلم والأمن الجماعي وكلّ ما استجمعته هذه الشعوب وما
تقتسمه من قيم مشتركة.
و الاستنكار، مثلهُ مثل كلّ المشاعر النابعة من الداخل، لا يمكن كَظمَه ولا التحكّم
فيه بقرارات ولا إلغاءه، وبالأخص عندما يُصدم المرء في تلك العروة الوثقى والصميمية
التي تربطه بالله عزّ وجلّ.
إن الشعوب باتت في مقدّمة الجبهة الجديدة التي تشكّلت للدفاع عن المثل العليا التي
تنشدها الإنسانية، ويقع على المجلس الشعبي الوطني، بوصفه إحدى وسائل التمثيل
الشرعية للشعب الجزائري، واجب المبادرة بفتح الموضوع ومناقشته.
أيتها السيدات، أيها السادة،
قبل أن أختتم كلمتي هذه، بودّي أن أسدي شكر المجلس الشعبي الوطني إلى السيد رئيس
مجلس الأمة ونوابه، وإلى السيد رئيس الحكومة وأعضاء طاقمه، وإلى كافة ممثلي أسرة
الإعلام الذين شرّفوا النواب بحضورهم معنا اليوم.
بودّي أيضا أن أعبّر عن صادق تمنياتي بالنجاح والتوفيق إلى النواب وأعضاء مجلس
الأمّة في العمل البرلماني الذي ينتظرهم خلال هذه الدورة، وأيضا إلى أعضاء الطاقم
الحكومي في جهود مواصلة الإصلاحات المسطّرة في برنامج فخامة السيد رئيس الجمهورية.
والشكر أتوجّه به أيضا ومقدّما إلى أعضاء الأسرة الإعلامية الذين سيتولّون تغطية
أشغال هذه الدورة وتوصيل أصداء نقاشاتنا إلى الجزائريين والجزائريات.
أشكر لكم، أيتها السيدات، أيها السادة، كرم الإصغاء والمتابعة.
تحيا الجزائر،
المجد والخلود لشهداء الثورة الأبرار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.