الجزائر 19 يوليو 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
السيد رئيس مجلس الأمة،
السيد رئيس الحكومة،
السيدات والسادة الوزراء،
السيدة والسادة أعضاء مكتب مجلس الأمة،
زميلاتي، زملائي النواب،
السيدات والسادة ممثلو أسرة الإعلام الواسعة،
ضيوفنا الكرام،
أيتها السيدات، أيها السادة،
يأتي المجلس الشعبي الوطني إلى نهاية دورته الربيعية هذه في ظل ظروف وطنّية ودوليّة مفعمة بالأحداث والوقائع، لعلّ من أبرزها ما عاشته بلادنا خلال الاستحقاق الرئاسي الأخير، وما لمسناه من دواعي نتائجه في 08 أفريل الفارط، هذا الاستحقاق الذي برهن على مدى النضج الذي يتسم به شعبنا وقدرتِه الحكيمة على الفرز بين الأمور عندما يقتضي الحالُ الفصلَ في المسائل المصيريّةِ، ممّا ينمّ عن حنكةٍ وتبصّرٍ، ويؤكد الحرص الشديد، والتدبير الواعي حفاظا على مكتسبات البلاد وإنجازاتها في مختلف الميادين.
إنّ ما لاحظناه من التفاف إرادي لدى مواطنينا داخل الوطن، ولدى جاليتنا في المهجر حول برنامج فخامة رئيس الجمهورية، واحتضانه ودعمه، يؤكّد الرّغبة الملحّة في تجسيد محاور هذا البرنامج، وتطبيقه على أرض الواقع، لما تضمّنَ من أبعاد وظيفيّة، لها علاقة مباشرة في تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في البلاد، من خلال تبني مبدإ المصالحة الوطنية للخروج نهائيا من الأنفاق المظلمةِ التي وضعتنا فيها ظروفٌ وملابساتٌ محلية ودولية، أفرزت ممارساتٍ تتنافى مع قيم شعبنا وتتعارضُ كليًا مع مُثل ديننا وثقافتنا وحضارتنا.
وما تزكيّة مضمون المصالحة الوطنية إلاّ دليلا قاطعا على تمسّك شعبنا بالاختيارات الّتي تؤكّد ارتباطه الوثيق بثوابته الوطنيّة، وتشبّثه العميق بهويّته الثقافيّة والحضاريّة، ونبذه لكلّ أشكال التطرّف والعنف والإرهاب، وانتصاره لمثل العدل والسلام وقيم الحقّ والفضيلة، وتفتُحِهِ الواعي على الحداثة والعصرنة.
ولا ريب كذلك أنّ الانتخابات الرئاسية للثامن أفريل المنصرم، أظهرت لدى الرأي العام الوطني والدولي صورةَ الجمهوريّة الجزائريّة، جمهوريّة رائدة في حقل الممارسات الديمقراطيّة في إفريقيا وفي العالم العربي.
لقد انتخب رئيس الجمهورية لأعلى وظيفة في الدولة للمرة الثانية وبصفة ديمقراطية.
نسألُ الله، جلّت حكمته، أن يمدّه بعونه، وأن يسدّد خطاه في ممارسة المسؤوليات التي أولاه الشعب إياها مجدّدا، ونسأله تعالى أن يوفّقه في أداء مهامّه النبيلة، وفي تكريس مسعى التقدّم السيّاسي والاقتصادي والاجتماعي الّذي تطمح له الأمّة الجزائريّة.
أيّتها السّيّدات، أيّها السّادة،
كانت للمجلس محطة هامة أخرى تمثلت في مناقشة برنامج الحكومة والمصادقة عليه.
فبرنامج الحكومة مستلهم من جوهر برنامج السيّد رئيس الجمهوريّة، ومستمد من صميم طروحاته، فهو يتوخّى تعزيز ثقة الشعب في مؤسسات دولته/ ويسعى إلى التكفّل بانشغالات المواطنين بتنوع شرائحهم، واختلاف فئاتهم، وتعدّد مجالات اهتماماتهم عبر كلّ مَوَاطن تواجدهم.
وما مصادقة نواب المجلس الشعبي الوطني على هذا البرنامج سوى ترجمةٍ حقيقيّةٍ لحسن النيّة، ودليلٍ آخر يؤكّد تعبيرهم الوفي عن إرادة الشعب واحترام اختياره، ويُحقق رغبة النواب الصادقة للمساهمة في دفع عجلة التنمية الوطنية إلى الأمام، تحدوهم في ذلك عزيمة قويّة للإسراع في تطبيق هذا البرنامج ميدانيا، وتجسيد نتائجه عِيّانا لما في ذلك من خير عميم يعود بالنفع الوافر على العباد والبلاد.
إنّ النقاش البرلماني الموضوعي والبنّاء هو الأسلوب الطبيعي لتبادل الحجج في إطار الحوار الضروري بين الجهاز التنفيذي والمؤسسة التشريعية، ومن ثمّة، يكون النقاش بالتأكيد مفيدا ومثمرا بالنظر لكوننا نشترك في هدف واحد هو خدمة مواطنينا.
و في الواقع، يتعيّن على كل واحد أن يتقبّل النقاش بل أن يبحث عنه، وأن يعتبره وسيلة لتحسين الإلمام بالانشغالات المحلية، ولتشخيص التدابير الواجب اتخاذها تشخيصا يتوخى الدقّة والتوافق.
فبمواكبتنا لجهود الإصلاحات سنكون في طليعة المسعى الرّامي إلى العصرنة والتجديد الذي تطمح إليه أمتنا.
إنّه حقا عمل قيّم، يجد فيه كل واحد مكانه، مهما كانت حساسيته السياسية، والأهمّ في كلّ هذا هو ألاّ نخطئ الرهانات، وأن نرجح المصلحة الوطنية أو الجماعية على المصلحة الحزبية كلّما اقتضت الضرورة ذلك.
أيّتها السّيّدات، أيّها السّادة،
شهدت هذه الدورة تداولا ديمقراطيا مشرّفا على رئاسة المجلس ؛ تمّ بمسلك حضاري متمدّن، زكاه الالتزام بقيم الممارسة الديمقراطية التي رسختها التجربة الوطنية الطامحة إلى بناء دولة القانون والمؤسسات على أسس أكثر صلابة وقوّة.
تداول كان في مستوى المسؤولية واللياقة اللتين اقتضاهما المقام، ممّا يعرب عن تجذر ثقافة الدولة في مؤسساتنا، ويفصح عن ترسيخ قيم الديمقراطية وتقاليدها الحضارية في واقعنا.
فبعد مغادرة أخي كريم يونس هذا المنبر بقرار إرادي وحر ؛ تولى أخي الطيب فرّاحي رئاسة المجلس وأدار شؤونه بحكمة واقتدار طيلة المدة القانونية الّتي أقرّها النّظام الدّاخلي للمجلس.
وأشرف بحنكة ورصانة على العمليّة الانتخابيّة لرئاسة المجلس الشعبي الوطني التي تمّت بروح مسؤوليّة عاليّة وديمقراطيّة برلمانيّة مميّزة، وقد كرّمه الزملاء النواب بوهج المودّة ومشمول الثقة بانتخابه لعضوية المجلس الدستوري، وبهذه المناسبة المُبهجة، أجدّد له التهنئة باسمكم راجيا له كامل التوفيق في مهامّه الجديدة.
وبعد التوسيم بتزكيّة أحزاب التحالف والتوشيح باختيار الزملاء والزميلات النوّاب لشخصي المتواضع، آل لي شرف رئاسة مجلسنا الموقر، لذا فإنّي استسمحكم في تجديد خالص الشكر وصادق الامتنان لكلّ الّذين أسهموا من قريب أو من بعيد في دعم قيم الممارسة الديمقراطية البرلمانيّة في هيئتنا التشريعيّة التعدديّة، ومنحوني ثقتهم، وعبّروا بصدق عن نزوعهم إلى تفعيل روح الانسجام بين المجموعات البرلمانيّة على اختلاف توجهاتها السياسيّة و منطلقاتها الإيديولوجيّة.
إنّ هذا التكليف يلزمني مضاعفة الجهد للفوز بحسن ظنّكم، والجدارة بثمين الثقة التي منحتموني إياها، ، ولي في فضائل تفهمكم، وطيب سماحتكم، وكريم مساعدتكم، خير معين لترقيّة منظومتنا التشريعيّة، وجعلها في مستوى تطلعات مواطنينا وطموحهم المشروع في التكفل بانشغالاتهم، والاستماع إلى اهتماماتهم، لأنّ هذا الأمر يعدّ من أوكد واجبات منتخبي الشعب وممثليه تعزيزًا لعنصر الثقة المتبادلة بين النواب وبين فئات المجتمع.
أيّتها السّيّدات، أيها السّادة،
لا يفوتني بالمناسبة تقديم خالص الشكر وبالغ التقدير إلى كافة نواب المجلس الشعبي الوطني الموقّر، على ما قاموا به من أعمال جليلة خلال هذه الدورة الربيعية التي توّجت أواخرها بتجديد الهياكل البرلمانية في جو سادته روح المسؤولية ومبادئ الالتزام والانضباط وميزته الإرادة الحقيقية لتعزيز قيم الممارسة الديمقراطية البرلمانية في أرقى صورها.
وبهذه المناسبة، أوجّه تهانيّ الحارّة لنوّاب رئيس المجلس، ولرؤساء المجموعات البرلمانية، ولرؤساء ونواب رؤساء ومقرري اللجان الّذين تمّ انتخابهم أو تجديد الثقة فيهم، متمنّياً لكلّ واحد منهم النجاح والتوفيق في إدارة الورشات الكبرى التي تنتظرنا.
كما يقتضي المقام تقديم بالغ الشكر وصادق العرفان لكل الزملاء والزميلات الذين تحمّلوا مسؤوليات سابقة في هياكل المجلس، وبذلوا جهودا معتبرة كان لها بالغ الأثر في مسار مجلسنا.
أيّتها السّيّدات، أيها السّادة،
لقد أدّى المجلس الشعبي الوطني خلال هذه الدورة الربيعية مهامّه الدستوريّة بموضوعيّة والتزام يعكسان طابع الجديّة والمثابرة من أجل التكفل بترقية منظومتنا التشريعية، وتطوير آلياتها، وضبط إجراءاتها تحقيقا للأهداف المنشودة، والتزاما بالتعهّدات التي قطعها نوّاب الشّعب أمام ناخبيهم، وانسجاما مع طبيعة التطورات التي تشهدها بلادنا في محيط عالمي يعجّ بترسانة قانونية في كلّ المجالات، وفي ظلّ نظام عالمي جديد يسعى إلى عولمة تصوّر المجتمع الإنساني للحياة المادية والمعنوية.
كما يسعى هذا النظام إلى إعادة صياغة وعي الإنسان ومداركه ومفاهيمه ورؤاه، وبرمجة احتياجاته بما يتماشى مع مصالحه وأهدافه.
أمام هذا الوضع، أضحى لزاما علينا اتباع استراتيجيّة علميّة وموضوعيّة محكمة على الأمدين المتوسط والبعيد، لتحقيق تنميّتنا الشاملة والتأقلم مع محيطنا الدولي مع الحفاظ على مقومات هويتنا، والتحكم الراشد في التكنولوجيات والعلوم الحديثة، التي تشهد انتشارا في أغلب المجالات ومنها مجال المعلوماتية وعلوم الاتصال بأنواعها، لما لها من إسهام في التدليل على مصادر المعرفة، وطرائق انتاجها في شتى الحقول، وتيسير سبل تحصيلها، والنهل من منابعها بطرائق مباشرة تسعف في تفتح تشريعنا على المنجزات الإنسانية وتكييفه مع المستجدات الوطنية والدولية.
أيّتها السّيّدات، أيها السّادة،
إنّ ما يلاحظ من اهتمام واضح بالوظيفة التشريعية في مختلف دول العالم والعناية بها، والوعي بأهميتها في حياة الشعوب والدول يحتم علينا مواكبة حركة التطور المذهل في حقل التشريع، وتكثيف الجهود من أجل الاستفادة من الخبرات المتيسرة ودعمها بالتكوين المستمر وتبادل التجارب والوثائق والمعلومات وسوى ذلك، بغرض ترقية منظومتنا التشريعية وتحيينها تماشيا مع التطورات الحاصلة على المستويين الوطني والدولي.
ومع ذلك، فإنّ المنجز في حقل التشريع في بلادنا منذ الاستقلال يعد مفخرة ورصيدا يضاف إلى ما حقّق من جهود في مختلف المجالات، ممّا يعزّز الثقة في النّفس ويفتح آفاقا للأمل، ويدعو إلى بذل مزيد الجهد لتبوؤ بلادنا المقام اللائق.
وما حصيلة هذه الدورة سوى لبنةٍ أخرى تضاف إلى هذا الصرح تدعيما لما تراكم من منجزات، وإذا كان لا بد من الإشارة إلى ما قام النواب بدراسته خلال هذه الدورة، فإنّني أشير إلى :
مشروع القانون المتعلق بالصيد
: الذي يهدف إلى تحقيق الانسجام بين التشريع الوطني والدولي في مجال الصّيد،
بتحيين الإطار القانوني لهذا النشاط وتعزيزه، بما يضمن الحفاظ على الثروة
الصيديّة، وإشراك الصيّادين في حمايتها وتنميتها وإعطائها البعد الاقتصادي في
إطار تنميّة مستدامة.
ثم
مشروع القانون المتعلق بالطاقات المتجددة في إطار التنمية المستدامة
: والهادف إلى تفعيل وترقية الطاقات المتجددة، والحد من تبذير الطاقات الجوفيّة
واستبدالها تدريجيا بطاقات أخرى، تضمن التقليص من الغازات الملوثة، إضافة إلى
استخدام الطاقات الحفريّة ضمن شروط اقتصادية تستجيب لمتطلبات تنمية مستدامة.
ثم
مشروع القانون المتضمن شروط الإنتاج المعماري وممارسة مهنة المهندس المعماري
: الساعي إلى سد الثغرات المسجلة في النصوص التشريعية في القطاع، وتجاوز النقائص
المسجلة في مجال الرقابة على البناء.
يليه مشروع القانون المعدل والمتمم للقانون المتعلق بالتهيئة والتعمير
: الذي يضع آليات جديدة من شأنها ضمان متانة البنايات واستقرارها من خلال احترام
المعايير التقنية، وتعزيز الوقاية من الأخطار المحتملة.
ثم مشروع القانون المتعلق بشروط ممارسة الأنشطة التجارية :
الرامي إلى تحيين الأحكام المنظمة لهذا القطاع وتخفيف إجراءات الحصول على السجل
التجاري، بما يضمن ممارسة الأنشطة التجارية ضمن الأطر القانونية.
ثم مشروع القانون العضوي المتضمن القانون الأساسي للقضاء :
الذي يهدف إلى تحسين مؤهلات القاضي وذلك من خلال تكريس سياسة تكوين قاعدي طموحة،
ويضع أدوات تنفيذية ملائمة وفعالة، وتعزيز استقلالية القاضي وصون شرف القضاء،
وذلك بضمان حق استقرار القاضي، وتحسين الأجور ونظام التقاعد وتكريس واجب التحفظ
إلى جانب إقامة إطار أفضل لتسيير سلك القضاء.
ومشروع القانون العضوي المتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وعمله وصلاحياته :
الذي يعيد النظر في تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء مكتبه من الالتزامات
الجانبية بهدف التفرغ لأداء المهام الموكلة له والعناية بالمسار المهني للقضاة
والسهر على تنفيذ قرارات المجلس.
ومشروع القانون المتعلق بالتربية البدنية والرياضة : الذي يقترح آليّات جديدة لتنظيم القطاع وترسيخ الأخلاق الرياضية، وتعزيز دور الدولة في مجال التوجيه والرقابة، وإلزامية تدريس التربية البدنية وممارستها، وإرساء قواعد تسيير شفافة ووضع أنماط جديدة لتنظيم النوادي الرياضية.
وإن كان لا بدّ من عرض النتائج المرقمة المرتبطة بهذه الحصيلة، أشير إلى أن المجلس ناقش ثمانيـة (08) مشاريع قوانين وصوّت عليها وأنه تم اقتراح 110 تعديلات على هذه النصوص، وأنه تم تسجيل 288 تدخلا شفويا خلال الجلسات العلنية الأربعة عشرة (14) التي خصّصها المجلس لهذه النصوص ولمناقشة برنامج الحكومة بالإضافة إلى (21) تدخلا كتابيا.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أنه تم توجيه 33 سؤالا شفويا و16 سؤالا كتابيا إلى أعضاء الحكومة.
أمّا على صعيد الدبلوماسية البرلمانية، فالمجلس يعمل في إطار الانسجام الكلي مع توجهات الدولة الجزائرية ومبادئها، لذلك فهو يسعى إلى توطيد علاقات التعاون الثنائية والمتعددة الأطراف مع برلمانات العالم، وقد قام المجلس بتكثيف نشاطه في هذا المجال مواكبة لجهود الحكومة الرامية إلى تأكيد حضور الجزائر وفعاليتها واستعادتها مقام الحضوة في المحافل الدولية.
وبالإضافة إلى حصيلة الدورة في المجال التشريعي، قام المجلس بأنشطة جوارية أهمها عقد أيام برلمانية ومنتديات في قضايا متعددة لها علاقة وثيقة بالشأن العام، وذلك بمبادرات من بعض اللجان الدائمة تأكيدًا للطابع التشاركي للمجلس، وتواصله مع مختلف شرائح المجتمع المدني من أجل الاقتراب أكثر إلى واقع المجتمع، وتحسّس اهتماماته وذلك تعزيزا للثقافة الديمقراطية التشاركية وتجسيدا لانفتاح الهيئة التشريعية على المحيط.
وفي هذا السيّاق، فإنّنا نؤكّد استعداد المجلس لتدعيم كل إسهام يهدف إلى تعزيز المصالحة الوطنية، وترقية ثقافة الحوار والتّسامح والعمل على نبذ كل أشكال التطرف والعنف والإقصاء والتهميش، والسّهر على تعزيز مثل الممارسة الديمقراطيّة، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التعبير، وترقية قيم المواطنة وثقافة دولة القانون والمؤسسات، مع العناية براهن الأمة وتعميق النقاش في الإشكاليات التي تعيق رقيّها، واقتراح البدائل الموضوعية والحلول الناجعة للمشاكل التي تواجه المجتمع.
وبهذا الصدد، سيكون للمجلس برنامج عمل مكثف خلال الدورة الخريفية المقبلة خاصة بمناسبة إحياء الذكرى الخمسين لاندلاع الثورة التحريرية التي يعتزم المجلس إحياءها بالمقام اللائق بعظمة الحدث بالإضافة إلى اللقاءات الوطنية والدولية التي ينوي المجلس تنظيمها في بحر الأشهر المقبلة وكذا المبادرات التي تندرج في إطار إنعاش الدبلوماسية البرلمانية.
أيّتها السّيّدات، أيها السّادة،
إنّ الجزائر التي كانت دائمًا إلى جانب القضايا العادلة في العالم، والتي دافعت بإخلاص ونزاهة عن الشرعية الدولية وحقوق الإنسان على الرغم من المحن التي مرت بها، والصعاب التي واجهتها، والظروف القاسية المفروضة عليها، لم تتوانَ عن القيام بواجبها، ولم تثنها كلّ التحديّات عن التزاماتها، ولم تبعدها عن مبادئها الجوهريّة، ولا يمكنها التراجع عمّا حققته الإنسانّية عبر مسارها التاريخي الطويل من انتصارات على جميع أشكال الظلم والاستبداد والتعسّف، وستبقى وفيّة لاختياراتها، مدافعة بإخلاص عن قيم الحريّة ومُثل السلام في كلّ أنحاء العالم.
إنّ الأوضاع المقلقة التي تشهدها السّاحة العربيّة والدوليّة تستدعي تأكيد الدّعم للشرعيّة الدوليّة، وتفعيل دور هيئة الأمم المتحدة لتبقى منبرا حرا وجريئا يعبّر بثبات عن الإرادة الدولية، ويجسد العدل والقانون بموضوعيّة ونزاهة.
وفي هذا السيّاق، ندعو إلى الاحتكام إلى هيئة الأمم المتّحدة في حلّ النزاعات والخلافات بين الدول والشعوب.
ونصرّ على إلزامية التطبيق الصارم للوائحها وقراراتها حفاظا على مصداقيتها التي تعدّ سندا لمبررات وجودها.
ونشجّع في هذا السيّاق كل مبادرة تحفظ للفلسطينيين حقوقهم المشروعة في ممارسة سيادتهم على أراضيهم في كنف السلام والأمن والاستقرار، وبناء دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
كما نأمل للشعب العراقي الشقيق أن يستعيد أمنه واستقراره، وأن يتمكّن من الخروج من محنته بصورة نهائيّة، ويتجاوز آثار الحرب المدمّرة التي خلفت أضرارا كبيرة في الأرواح والممتلكات، ويشرع في بناء اقتصادياته ويعود سريعا إلى ممارسة دوره ضمن المجموعة الدولية.
إنّ شعوب منطقة المغرب العربي التي تطمح إلى تجسيد تطلعاتها المشروعة في الوحدة والتعاون والتضامن والعيش في كنف الأمن والاستقرار، فإنّها ترغب في حلّ قضية الصحراء الغربية وفق ما نصّت عليه قرارات الشرعية الدولية ومخطط السلام الأممي.
أيّتها السّيّدات، أيها السّادة،
إنّ الجزائر تتابع باهتمام كبير المبادرة الرامية إلى تدعيم الحرية السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وتعميق الديمقراطيّة في فضاء الشرق الأوسط الكبير.
فإذا كان البعض يسلّم بأن الإصلاحات ضروريّة بل حتميّة تمليها ظروف التغيير، فإنّ الجزائر تبقى حالة متميّزة، بل تمثل قدوة بالنسبة للأمم الأخرى من حيثُ التجربة التي خاضتها، وذلك بالنظر إلى التقدم الديمقراطي الذي تفخر الجزائر بتحقيقه.
إنّ الطابع الجمهوري للدّولة الجزائريّة، وكذا التعدّدية السيّاسيّة، وتنوّع الحساسيّات الحزبيّة والتيارات الفكريّة التي تشكل الساحة السياسيّة الجزائريّة، وكذا انتخاب رئيس الجمهوريّة عن طريق الاقتراع العام المباشر وتحرير الاقتصاد، وتعدّد الصحف وتنوّعها، كلّ هذه الفضائل وغيرها أفرزتها التجربة الديمقراطية التي ما انفكّت تتدعم، حيث لا يجوز تجاهلها.
أيّتها السّيّدات، أيها السّادة،
إنّ نهاية الدورة الربيعيّة التشريعيّة لا تعني نهاية الأشغال بالنسبة للنواب ؛ بل تسمح لهم المدة المقررة بين الدورتين من العودة إلى دوائرهم الانتخابية، والتردد على مكاتب مداوماتهم، من أجل اللقاء بناخبيهم، والتقرب أكثر من واقع المواطنين، والتعرف إلى طبيعة مشاكلهم والتكفل برفع انشغالاتهم إلى الجهات المختصة للنظر فيها ومعالجتها والقيام بالمهام المخولة لهم دستوريا.
وقبل الاختتام الرسمي لهذه الدورة الربيعية، أودّ أن أعبّر عن شكر المجلس الشعبي الوطني للسيّد رئيس مجلس الأمة ونوابه وإلى أعضاء مجلس الأمة على التنسيق الدائم والعمل الجماعي المتكامل بين غرفتي البرلمان.
وأغتنم أيضا هذه الفرصة لأجدد الاستعداد التام لترسيخ هذه الفضيلة التي تعزز العمل البرلماني مستقبلا.
فله الشكر والامتنان لحضوره معنا مراسيم اختتام دورة الربيع هذه.
كما أشكر السيّد رئيس الحكومة وطاقمه على ما قدّموه من آراء وأفكار أثروا بها دراسة المشاريع القانونيّة أثناء المناقشات، وأثني على ما بذلوه من جهود إسهاما في ترقيّة منظومتنا التشريعيّة.
كما أود أن أوجه أسمى عبارات التقدير والثناء للسيدات والسّادة النواب على ما أنجزوه من أعمال كلّلت بالنجاح بتوفيق الله.
إنّ هذه الدورة المنتهيّة لم يكن لها أن تحقق هذا العمل القيّم دون جهود موظفي المجلس الإداريين والتقنيين، فباسم كافة المنتخبين الحاضرين هنا، أوجه لهم أصدق عبارات الشكر، و أؤكد لهم اعتمادي على مساعدتهم من أجل تكريس شعارات الصرامة والنجاعة والاحترافية في العمل.
كما أودّ أن أشكر الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام الذين سهروا على تغطية الدورة وتوصيل أصداء نقاشاتنا إلى مواطنينا ومواطناتنا.
تمنياتي للجميع بقضاء عطلة سعيدة ؛ من أجل تجديد النشاط والعودة في الدورة القادمة
لاستئناف أشغالنا بحيويّة أكثر.
شكرًا لكم على كريم الإصغاء.
والسّلام عليكم ورحمة الله.