الجمهوريـة الجزائريـة الديمقراطيـة الشعبيـة

المجلس الشعبي الوطني

الزيارة الرسمية التي يقوم بها إلى الجزائر

السيد بيار فرديناندو كزيني،

رئيس غرفة النواب الإيطالية

خطاب السيد عمار سعداني
رئيس المجلس الشعبي الوطني

خلال المحادثات البرلمانية الثنائية الجزائرية - الإيطالية

الجزائر، يومي 29 و30 نوفمبر 2004

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

 

السيد الرئيس وضيفنا الكريم ؛

أيها السادة الأفاضل ؛

صاحب السعادة ؛

 

إنّه لمن دواعي الشرف والغبطة أن نستقبل ونستضيف على أرض الجزائر وتحت قبّة البرلمان معالي السيد بيار فرديناندو كازيني، رئيس غرفة النواب الإيطالية والطاقم الإداري المرافق له.

 

مرحبا بكم السيد الرئيس.

 

واستسمحكم، بادئ ذي بدء، لأقدم لكم السيدات والسادة النواب الجزائريين، وطاقم المساعدين الذين يرافقونني في هذه المحادثات.

 

على يميني، أقدّم لكم السيدة والسادة :

 

وعلى يساري، أقدّم لكم السيدات والسادة :

 

في هذه المحطة من مجريات المحادثات، تعطى الكلمة، حسب ما هو معمول به في الأعراف الدبلوماسية، لرئيس الوفد الزائر حتى يتولى، بدوره، تقديم أعضاء الوفد المرافق له.

 

وفي أعقاب هذه المقدمات، يتناول رئيس المجلس الشعبي الوطني الكلمة من جديد ويخاطب الحاضرين على النحو التالي :

 

 

أشكركم السيد الرئيس على تفضّلكم بتقديم أعضاء الوفد المرافق لكم. وبودّي الآن، إذا سمحتم، أن أعرض عليكم لمحة تاريخية مقتضبة عن السلطة التشريعية وصرحها المؤسساتي في بلادنا.

 

لقد عاشت الجزائر انتخاباتها التشريعية الأولى في شهر سبتمبر من عام 1962، أي بعد أشهر قلائل من استعادة بلادنا لاستقلالها الوطني.

 

وتولّى المجلس التأسيسي آنذاك مهمّة تزويد البلاد بالقانون الأساسي الذي يحكمها، ألا وهو الدستور الذي صدر في 10 سبتمبر 1963 وكرّس، من بين ما كرّس، مبدأ الغرفة الواحدة للبرلمان الجزائري.

 

وفي الفترة الممتدة من 1965 إلى 1976، تأسس، في قمّة الدولة الجزائرية، مجلس الثورة الذي تولّى ممارسة كافة السلطات.

 

وفي نوفمبر من عام 1976، وفي إطار استكمال بناء مؤسسات الدولة الجزائرية، تمّ إصدار دستور جديد تأسّست بموجبه غرفة وحيدة هي المجلس الشعبي الوطني الذي تولّى ممارسة الوظيفة التشريعية عقب انتخابه في فبراير من عام 1977 لعهدة خماسية تمّ تجديده بانتظام كل خمس سنوات أي في 1982 و1987.

 

وفي فبراير من عام 1989، تمّ تعديل الدستور دون أن يفضي ذلك إلى مراجعة مبدأ الغرفة الواحدة، حيث تمّ الإبقاء على المجلس الشعبي الوطني، حتى وإن تمّ لأول مرة، تكريس مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

 

وعلى عكس ذلك، فإن التعديل الدستوري الذي تمّ في نوفمبر 1996 أدّى إلى تغيير المشهد المؤسساتي الجزائري بحيث تمّ بموجبه إحداث برلمان ذي غرفتين يتكوّن من المجلس الشعبي الوطني الذي يضمّ 389 نائبا ومن مجلس الأمة بـ 144 عضوا، وسجّلت بذلك الجزائر المستقلة ميلاد أول برلمان تعدّدي ومزدوج الغرفة.

إنّنا هنا، السيد الرئيس، وضيفنا العزيز، تحت قبّة المجلس الشعبي الوطني الذي يشكّل الغرفة السفلى في تنظيمنا التشريعي،والذي يتولّى أداء مهامه، كما ذكرت سالفا، منذ عام 1977.

 

إن النواب الـ 389 الذين يشكّلون هذا المجلس، يمثلون سكّان الولايات الثماني والأربعين (48) في البلاد وكذا الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج التي تتوفّر على ثمانية (08) مقاعد.

 

ينتخب الشعب نواب المجلس الشعبي الوطني بالاقتراع العام المباشر والسري على أساس القائمة النسبية، مع العلم أنّه يشترط أن تتحصّل القوائم على 5% على الأقل من الأصوات المعبّر عنها لحيازة مقاعد في المجلس.

 

وينص قانون الانتخابات الصادر في مارس 1997 على 48 دائرة انتخابية متعدّدة الأسماء تقابل الولايات الثماني والأربعين (48) للبلاد، ويمنح، بموجب القانون ذاته، مقعد واحد لـ 80.000 نسمة، ومقعد إضافي واحد لكل حصة من أكثر من 40.000 نسمة، مع العلم أن لكل ولاية الحق في أربع (04) مقاعد على الأقل.

 

ويمارس المجلس الحالي عهدة خماسية في إطار الفترة التشريعية الخامسة التي تعرفها بلادنا منذ استقلالها، وهو يضمّ تشكيلة منبثقة عن الانتخابات التشريعية التي جرت في 30 مايو 2002، وهو الاقتراع الذي فصل بين 10.052 مرشحا منتمين إلى 23 حزبا سياسيا ومرشحين أحرارا.

 

وقد سمح هذا الاقتراع لتسعة (9) أحزاب من أصل الأحزاب الثلاثة والعشرين (23) التي دخلت معترك الانتخابات بأن تكون ممثّلة اليوم في المجلس الشعبي الوطني، بالإضافة إلى النواب الأحرار الثلاثين (30).

 

وعلى ضوء ذلك، فإنه تم تشكيل ست (6) مجموعات برلمانية وهي :

إن مجلسنا هذا إذن مجلس تعدّدي يضم 389 نائبا من بينهم 26 امرأة، مجلس انتخبه الشعب بكل ديمقراطية، مجلس يمثّل تيارات فكرية مختلفة وحساسيات حزبية متنوّعة في بلادنا، إنّه مجلس يتولّى التشريع في كافة المجالات التي يخوّلها له الدستور ويتولّى مراقبة نشاط الحكومة، هذا هو المجلس الذي يتشرّف ويسعد باستضافتكم أنتم السيد الرئيس والوفد المرافق له.

 

السيد الرئيس ؛

إن الهيئة التي تستقبلكم اليوم تَتُوق إلى أن تكون زيارتكم للجزائر فرصة تغتنمها غرفتانا لتدشين محطّة جديدة في العلاقات البرلمانية بين بلدينا، علاقات نريدها طموحة وخصبة، وترقى إلى مستوى تلك القيم الجمهورية والمميّزة لشعوب البحر الأبيض المتوسط التي يتقاسمها شعبانا، علاقات تساير مستوى العلاقات السياسية التي أسمح لنفسي بوصفها بالممتازة، وتواكب درجة الازدهار الذي عرفته التبادلات التجارية بين بلدينا، علاقات تكون في مستوى رؤانا المتطابقة حول العديد من القضايا التي تهم السياسة الدولية.

 

هذا وفضلا عن العلاقات البرلمانية التي أتمنّى أن تتكاثف من خلال تزويدها بالإطار المتمثل في مشروع البروتوكول، فإن الفرصة اليوم سانحة لنا نحن البرلمانيون، لكي نوجّه الدعوة لحكومتي بلدينا للعمل على تعزيز التعاون والتبادلات بين الجزائر وإيطاليا في كل المجالات، بدءً بتلك التي تكتسي طابع الأولوية كالتعاون السياسي

والتبادل التجاري ومواصلة التعاون في الحقل الطاقوي الذي جنى منه بلدانا ثمارا قيّمة، وكذا التبادلات العلمية والثقافية.

 

إنّنا ونحن نعبّر عن عميق ارتياحنا لكل ما تمّ تحقيقه، نرى مع ذلك أن الكثير من الفرص والقدرات المتوفّرة لا زالت تنتظر أن نثمّنها ونستغلّ كل ما تنطوي عليه من آفاق واعدة، في ظلّ احترام مصالح كل طرف، خدمة لاقتصادياتنا ولخير شعبينا.

 

ففي هذا الزمن، زمن عولمة التبادلات وتكتّل الاقتصاديات في العالم، هذا الزمن الذي يشهد سباقا نحو خلق ثروات جديدة والذي تختصر فيه المسافات وتتحقّق في التعاملات التجارية والمالية بصورة فورية، بفضل تكنولوجيات الاتصال الحديثة التي تطرح تحدّيا حقيقيا للوقت والمسافات، كما لا يخفي عليكم السيد الرئيس، في هذا الزمن إذن، أضحت المدينة الخالدة، مدينة روما أقرب ما تكون من الجزائر والتقت اهتمامات وتطلعات الشعبين الجزائري والإيطالي على درب واحد.
 

إن المسؤولية التي تقع على عاتقنا نحن البرلمانيون هي أن نعيَ بضخامة الفرص المتاحة أمامنا، وأن نبذل كل ما في وسعنا لتجسيدها بناءً على التضامن الفعّال.

ومشروع البروتوكول ـــ الإطار المعروض علينا للتوقيع يندرج ضمن هذا المنظور، بحيث أنّه يأتي بمبادرات ترمي إلى تعزيز التعاون بين أجهزة مجلسينا.

 

ويتضمّن مشروع هذا البروتوكول تنظيم منتديات برلمانية بالتناوب في روما والجزائر ومقترحات لتبادل الوفود البرلمانية وتنظيم سفريات للدراسة والإعلام في الجزائر وفي إيطاليا وذلك إسهاما في توطيد ما أسمّيه مشاعر التعاضد الجزائري ــ الإيطالي وروح التضامن المتوسطي داخل مجلسينا التشريعيين وتحقيقا للأهداف المسطّرة في بروتوكول الصداقة والتعاون وحسن الجوار الذي يربط بلدينا.

 

كما يقترح مشروع البروتوكول تبادل الوثائق ونصوص القوانين السارية في كل من البلدين بغية تمكين البرلمانيين الراغبين في ذلك من الاطلاع على الكيفية التي يكون قد اعتمدها زملاؤهم الإيطاليون أو الجزائريون في التشريع بشأن الملف المعروض عليهم.

 

كما يأتي هذا البروتوكول بمقترح لضمان تكوين مساعدين تشريعيين ومستخدمين من الدوائر الإدارية والتقنية والمالية للمجلس الشعبي الوطني الجزائري لدى الغرفة الموقّرة التي تتولّون رئاستها.

 

ويشجّع كذلك اللقاءات الثنائية بين رئيسي الغرفتين على هامش دورات الاتحاد البرلماني الدولي السنوية أو في غيرها من كبريات الاجتماعات البرلمانية الدولية سعيا لضمان التشاور المستمر حول أمّهات القضايا المطروحة على الساحة الدولية، خاصة منها ما يهمّ حوض المتوسط.

 

وآخر ما ورد من مقترحات في مشروع البروتوكول يخصّ تبادل المعلومات بين إدارتي غرفتينا حول الممارسات السّوية المعتمدة في مجال العمل والتسيير الإداري والتقني والمالي.

 

إن مضمون البروتوكول هذا جاء ليعكس ويؤكّد تلك الروح التي كان لها الفضل دوما في إبقاء صلة التقارب بين أمّتينا، منذ الحقبة التي خاض فيها شعبنا الكفاح من أجل الاستقلال الوطني، وسجّل فيها وقوف إيطاليا إلى جنبه ودعمها له، إلى تلك الفترة التي وصلت فيها بلادنا إلى أوجّ الأزمة وعاشت فيها مرارة الإرهاب، فترة لم تتخلّ فيها إيطاليا عن الجزائر، ولم تشح بتضامنها الثابت معها من خلال استمرار وجودها فيها.

 

سيحفظ التاريخ لإيطاليا أنّها، في خضمّ هذه المحنة، لم تدر ظهرها للجزائر، بالرّغم من سقوط رعايا إيطاليين أبرياء ضحايا للأعمال الإرهابية الحقيرة التي حصدت أرواحهم وأرواحا كثيرة نتذكّرها اليوم ونترحّم عليها مرة أخرى.

 

وسيحفظ التاريخ كذلك أن شركة الخطوط الجوية الإيطالية كانت سبّاقة لاستعادة نشاطها في الجزائر، وأن بلدكم قدّم دعمه السياسي لمسار الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.

كل هذه المواقف، السيد الرئيس، راسخة وستبقى راسخة في ذاكرة الجزائر.

 

إن التبادلات بين الجزائر وإيطاليا لم تضعف ولم تتراجع أبدا، بل أن الانتظام والحجم اللذين يميّزانها ليعبّران عن إرادة دولتينا المشتركة إعطاءها الطابع المميّز بالنظر إلى العلاقات المتميّزة القائمة بين أمّتينا، أمّتان لا شيء يفرّق بينهما، بل أن كل شيء يقرّب بينهما.

 

إن زيارة الدولة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية، السيد عبد العزيز بوتفليقة في نوفمبر من عام 1999، وتلك التي قادته إلى روما في يونيو 2002، ومشاركته المميّزة في منتدى رميني (FORUM DE REMINI) وكذا الاتفاق حول المشاورات السياسية الوثيقة الذي يربط وزارتي الشؤون الخارجية منذ عام 2000، والزيارة الرسمية التي قام بها إلى الجزائر في يناير 2003 فخامة السيد كارلو أزقليو تشيامبي، رئيس جمهورية إيطاليا، والتي ألقى بمناسبتها خطابا  قيّما  أمام  المجلس  الشعبي  الوطني،  كل  هذه اللقاءات وغيرها من الزيارات العديدة، كلّلت بالتوقيع على معاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار، معاهدة هي اليوم بمثابة  القَبَسِ الذي يضيء سماء بلدينا وجسر للتضامن يترسّخ بفضله مصيرنا المشترك وتكتسح بفضله التبادلات بيننا فضاءات جديدة.

 

السيد الرئيس ؛

 

على الصعيد الدولي، فإنّنا نقدّر حق التقدير، المواقف التي يعتمدها البرلمان الإيطالي حول العديد من القضايا التي تهمّ العالم ونثمّن الجهود التي تبذلها الدبلوماسية البرلمانية الإيطالية من أجل السّلم والاستقرار في مناطق متعدّدة من العالم.

 

إن بلدنا وفّي وسيبقى وفيّا للالتزام الذي قطعه بالوقوف دوما إلى جنب القضايا العادلة في العالم وهو يعتمد سياسة خارجية تهتمّ كلية وبالدرجة الأولى بترقية وتنمية ديناميكيات التعاون والشراكة أو التكامل الجهوي، وذلك في ظلّ احترام حقوق الشعوب في العيش حرّة وكاملة السيادة.
 

وستواصل الجزائر، السيد الرئيس، مجهوداتها لإحلال سلم دائم وعادل في منطقة الشرق الأوسط، هذا السلم الذي لن يتأتّى إلاّ باستعادة الأراضي العربية المحتلة بممارسة كل بلد وكل شعب في المنطقة لحقوقه كاملة في الاستقرار والأمن والسلام، لا سيما حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية الكاملة، وبخاصة حقّه في إقامة دولة فلسطينية مستقلّة.

 

والجزائر، السيد الرئيس، متمسّكة بعودة الاستقرار في ربوع العراق، وتعتبر أن استتباب السلم في هذه المنطقة التي طال حرمانها من نعمته، لن يتحقّق ولن يتأتّى إلاّ باستعادة العراقيين لسيادتهم كاملة على أراضيهم وثرواتهم ولحريتهم في تحديد مستقبلهم ومصيرهم السياسي.

 

وبنفس الثبات، يشجّع مجلسنا مواصلة الجهود الرامية إلى تسوية قضية الصحراء الغربية تسوية عادلة ودائمة، ويؤكّد مجدّدا صحة وشرعية مخطط التسوية الأممي.
 

إنّه بوسعنا، السيد الرئيس، أن نواصل تبادل الآراء حول هذه المسائل وغيرها، تعزيزا لوجهات نظرنا وأن نعمل، إذا اقتضت الضرورة، على تقريبها حتى نرسّخ التفاهم بيننا ونجسّده من خلال تعاضد وتضافر جهودنا على درب التقارب بين شعبينا ومن أجل السلام في العالم.

 

تلكم هي، السيد الرئيس، الآفاق التي ترتسم في نظري بالنسبة لمستقبل العلاقات البرلمانية بين بلدينا.

 

وتلكم هي الأهداف التي سأسعى جاهدا لبلوغها من هذا المنصب الذي أتولاّه.

 

وقبل أن أختتم مداخلتي هذه، أودّ السيد الرئيس، أن أقاسمكم ما تعوّدت ذكره كلّما تحدّثت عن إيطاليا، هذا البلد الذي كثيرا ما يذكره أبناء وطني لما يمثّله بالنسبة لنا من عظمة ونهضة وجوار وجمال :

·               أن المتوسط هو بوتقة للحضارات التي تركت بصماتها في العالم، وهذا مدعاة من دواعي الفخر لبلدينا ؛

 

 

شكرا لكم.