المنظم من المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني
- معالي وزير الدولة وزير الخارجية المنسق العام،
- السادة أعضاء هيئة التنسيق والتنفيذ الانتقالية
- السيّد رئيس المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني في المجلس الشعبي الوطني،
- الزميلات والزملاء النوّاب،
- الأساتذة المحاضرون،
- ممثلـو أسرة الإعـلام،
-
الحضور الكرام،
يطيب لي في بداية هذه الكلمة أن أرحب بكم جميعا في رحاب المجلس الشعبي الوطني مهنئا لكم بالعام الجديد متمنيا للجميع موفور الصحة والعافية ودوام النجاح والتوفيق في أعمالكم وتحقيق مزيد التقدّم والازدهار لبلادنا.
واغتناما للمناسبة أتقدم بالشكر الخالص إلى نوّاب المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير واللجنة التي قامت بتنظيم هذا اليوم البرلماني بمناسبة اليوم العربي لمحو الأمية.
واحتفاء بلادنا بهذه المناسبة كبقية الدول العربية هو وقفة تأملية تعرض فيها حصيلة الجهود المبذولة في مجال محو الأمية وتقيّم المراحل التي قطعتها ومدى تحقيقها للأهداف المسطرة والصعاب الّتي واجهتها.
ومن دون شك أن الجزائر كانت سباقة إلى إدراك مخاطر الأمية وانعكاساتها على مسار التنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لذلك بادرت إلى التحسيس والتوعية والتوجيه وعملت بكل الوسائل المتاحة ووفرت الهياكل والإمكانات اللازمة لاحتواء الظاهرة والقضاء عليها بهدف ترقية التحصيل العلمي والمعرفي للشرائح الاجتماعية الواسعة التي تعاني من ظاهرة الأمية هذه الظاهرة الخطيرة التي كانت السمة البارزة التي عاشتها البلاد قبل الاستقلال حيث كانت نسبة الأميّة تقدّر بـ 85% وبدأت في الانخفاض تدريجيا إلى أن بلغت نسبة 31% سنة 2002 وكانت الظروف القاسية التي مرت بها بلادنا من جملة الأسباب التي عرقلت تحقيق مسعى القضاء على الأمية وتحقيق التنميّة على أوسع نطاق.
إنّ المنظور الحقيقي لآفة الأمية يؤكد بأنّها مشكلة حضارية إذا ما نظر للقضية بوعي شمولي واسع وهي كذلك مظهر من مظاهر التخلّف الذي كرسته الفترة الاستعمارية البغيضة والعشرية الكأداء التي مرت بها بلادنا وليس غريبا ما تفرز بعض الممارسات الاجتماعية من سلبيات تعيق حركة التنمية العامة وتعرقل تماسك البنية التحتية للمجتمع وتحدّ من تطور الأمّة ورقيّها.
إنّ التصدي لظاهرة الأمية يعدّ حقا للأميّ في تحصيل العلم والمعرفة، وهو مسؤولية تلزم الجميع بالإسهام الجدّي ماديا ومعنويا لاقتلاع جذور هذه الآفة وتمكين المجتمع من تجاوزها ليحقق مساره إلى تنمية شاملة ومستدامة.
إنّ الأميّة لا تميّز بين الناس في الجنس وليست محددة بسنّ معنية وليست محصورة في فترة دون أخرى بل هي حضور دائم إذا لم تستأصل نهائيا من أوساط كل الشرائح وفي كلّ الجهات، ولعلّ ذلك ما كان هدفا استراتيجيا لحزب جبهة التحرير الوطني منذ الأيام الأولى للاستقلال حيث سطر البرامج وبذل الجهد للقضاء على ظاهرة الأمية.
ولقد كان للحزب في تعميم التعليم وديمقراطيته سندا كبيرا لمحو الأمية وتعليم الكبار حيث عقد الحزب الاجتماعات وأصدر اللوائح السيّاسيّة وعقد الدورات التدريبية والتكوينية لإطاراته ومناضليه وأشرف على التحسيس والتوعية بمخاطر الأمية وانعكاساتها على التنمية الوطنية، وذلك شعورا منه بأنّ القضاء على الأميّة يسهم في ترقية الفرد ويجعله قادرا على المشاركة الفعّالة في إنجاح مخططات التنميّة وتطوير المجتمع.
وكان الحزب يدعو باستمرار إلى تقييم التجربة ويتبنى سياسة محو الأمية والتكوين المستمر وتعليم الكبار ويدعو إلى التنسيق الدائم والكامل والمنسجم بين كلّ الجهود التي تبذلها مختلف الجهات المعنية بهذا الموضوع.
كما كان الحزب حريصا على دعوة الهيئات المختصة في أجهزة الدولة أن تولي موضوع محو الأمية عناية خاصة وأن تدرجها ضمن برامجها السنوية.
إنّ دولة الحق والقانون يبنيها المجتمع المتعلم المتخلّص من الأمية نهائيا ويعيق اكتمال بنائها الأميون والجهلة وفي هذا المقام لسنا نلقي باللاّئمة على الأمّي الّذي منعته ظروف قاهرة من متابعة التحصيل العلمي والمعرفي، ولكنّنا نلوم الّذين أتيحت لهم الفرصة لمحو أميتهم وخانتهم إراداتهم ولم يخصّصوا جزءا يسيرا من أوقاتهم الضائعة هدرا للاستفادة منها بتمكين أذهانهم من اكتشاف عوالم نور العقل الإنساني وإنجازاته المعرفية، وتحصين ذواتهم من مغبات الجهل وما ينجرّ عنه من آفات اجتماعية.
لقد نصّ البيان العالمي لحقوق الإنسان على العناية بالشرائح الاجتماعية الأكثر تضررا من ظاهرة الأميّة وبخاصة في المجتمعات الفقيرة وأكّد دعمها للتخلّص من هذه الآفة ودعا إلى تزويد الأفراد بتربية قاعدية كحد أدنـى تمكنهم من التعامل مع واقعهم بسهوله ويسر ودعا إلى تزويدهم بمستوى تعليمي يؤهلهم إلى القيام بأنشطتهم وأعمالهم بوعي وإدراك، لأن ذلك يسهم في نشر قيم العدل والفضيلة ويؤسس لثقافة السلم والتسامح واحترام الرأي كما يؤسس للممارسة الديمقراطية ويتيح لها الانتشار والتحقق بالصورة المناسبة، ويمكّن محو الأمية من التفتح على العالم الخارجي ويسعف في اكتشاف الذات وتحصينها.
لا بدّ من توسيع مفهوم محو الأمية ليتجاوز الشّكل الّذي حصر فيه ردحا من الزمن، وهو محو الأمية الأبجدية أو التعليمية، بل لابدّ من محو الأميّة المهنية، ومحو الأميّة التكنولوجية، وحمو الأمية الحرفيّة، ومحو كلّ أنواع الأميّة الّتي لها علاقة مباشرة بواقع الناس وشؤون حياتهم.
فعالم اليوم يشهد تطورا متسارعا بوتيرة عالية في كل الميادين وبخاصة في الميادين التكنولوجية والتقنية والمعلوماتية ومن غير الطبيعي أن نظّل بعيدين عن إدراك حقيقة ما يجري في كوكبنا وما يحقّق من منجزات في شتى المجالات.
ولذلك فإنّ المتابعة الجادة والتحصيل المعرفي المستمر واستثمار كل ذلك في مشاريع التنمية والإصلاح يعدّ مكسبا إضافيا يرقي مردود كل عملية تنمويّة.
ولذلك كان لا بدّ من ربط محو الأميّة بالتنمية وتوفير المناخ الملائم لها بالأمن والاستقرار لما لهما من علاقة وطيدة بحفظ كرامة الإنسان، وصون حقوقه.
لأنّ اللحاق بمسار العولمة وتحقيق النقلة الحضارية لا يكون إلاّ بالتعليم والتأهيل ذي المستوى النوعي، كما يعدّ العلم السّند الحقيقي لأيّ مشروع حضاري يهدف إلى اقتلاع مظاهر التخلف والجمود ويدفع بالأمة إلى مصاف الدول المتقدمة.
دون أن نغفل بأن أداة كلّ تنميّة وغايتها هو الإنسان ولذا كانت العناية بشؤونه غاية كل إستراتيجية.
إنّنا مطالبون بتحقيق قفزة نوعية على أكثر من صعيد وبخاصة في المجال العلمي الذي هو عماد كل تطوّر ورقي، وهو القاعدة الأساسية لكلّ تنميّة كما أننا مدعوون إلى بذل مزيد الجهد لكسب الرهانات التي تنتظر بلادنا في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكلّ هذا مرهون بمضاعفة الجهود للتخلص من الآفات والمخاطر المحدقة بمجتمعنا، فلا بدّ أن لا يتأخر عن الإسهام في التنمية الوطنية سبعة ملايين أميا في بلادنا منهم أربعة ملايين امرأة.
ومردّ هذا الانتشار الواسع لظاهرة الأميّة عوامل كثيرة، ولكن يبقى العامل الأساسي في كل هذا هو غياب الوعي بمخاطر الأميّة، بالإضافة إلى انتشار وعي زايف لايولي أهمية للعلم والمعرفة في حياة الأفراد والمجتمعات.
لقد أضحى من الضروري تكاتف جميع جهود الهيئات والمنظمات والجماعات المحلية والمجتمع المدني والجهات المختصة وكل من له علاقة بالموضوع للتنسيق والتعاون من أجل وضع إستراتيجية علمية وموضوعية تأخذ في الحسبان الإمكانات المتاحة وتعزّز طاقاتها وقدراتها لمواجهة ظاهرة الأمية التي أضحت آفة تهدّد بنية المجتمع وتعرقل مساره التنموي.
في الأخير أتمنى لأشغال هذا اليوم البرلماني وفعالياته أن تكلل بالنجاح وأن تخرج بمقترحات وتوصيات تؤخذ بعين الاعتبار وتجد طريقها إلى التطبيق ميدانيا.
شكرا على كريم الإصغاء والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته