مداخلة السيد عمار سعداني، رئيس المجلس الشعبي الوطني
في اجتماع رؤساء المجالس البرلمانية للدول الأعضاء
في الحوار 5+5
اجتماع العمل الأول/ الثلاثاء 07 ديسمبر 2004 (الساعة 16:15 – 18:30)
قاعة لامارتين / الموضوع رقم 1 : هجرة السكان.
بودي أن أشكر السيدين جان لوي دوبري وكريستيان بونسلي على حفاوة الاستقبال الذي خصّونا به، وتلكم هي التقاليد الفرنسية العريقة، وعلى إتاحة الفرصة لنا للاجتماع، في هذا القصر الرائع للجمعية الوطنية الفرنسية في إطار الحوار 5+5.
وبهذا الصدد أود أن أؤكد على أهمية ترسيخ مثل هذه اللقاءات في تقاليدنا وإعطاءها مكانة مرموقة ضمن رزناماتنا السنوية في مجال الدبلوماسية البرلمانية .
إن هذه اللقاءات تشكل في الواقع، بالنسبة للمسؤولين البرلمانيين لعشر دول من الدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، فرصة سانحة لتبادل وجهات النظر بشكل مباشر، ويبقى الطابع غير الرسمي والشخصي والحميمي الذي يميّز هذه اللقاءات، ضمانة، أو على الأقل، عاملا من عوامل تثمين الثقة بيننا وتقارب الرؤى حول المواضيع الأورو – متوسطية.
أ- إن موضوع الهجرة الذي يجمعنا اليوم لا يمكن أن نصفه بالظاهرة المفاجئة ولا بالإشكالية الجديدة، ذلك أن هجرة السكان قديمة قدم البشرية، والإنسان كان دوما في بحث مستمر عن المكان الذي يعيش ويسعد فيه.
ب- لا يمكن كذلك أن نتحدث عن هذه الإشكالية من زاوية أنها انشغال لا يهمّ سوى العالم المتقدّم، لأن أغلبية البلدان هي إما بلدان ينطلق منها المهاجرون، أو بلدان يعبرونها، أو بلدان يستقرون فيها.
ت- كما لا يكمن أن نعطي هذه الإشكالية تعريفا، أو تأويلا أو مفهوما وحيدا، ذلك لأن الهجرة قد تكون شرعية أو غير شرعية، قانونية أو مخالفة للقانون، وقد تكون بطيئة وطبيعية أو مفاجئة بسبب قوة قاهرة، وقد تكون مؤقتة أو مرحلية أو نهائية.
والهجرة قد تكون سبيل النجاة والخلاص كما قد تتحول إلى جحيم. فالهجرة قد تعني، بالنسبة للبلدان الواقعة شمال حوض البحر المتوسط، التدفق البشري غير الشرعي على ترابها، لكنها تعني، بالنسبة للبلدان الواقعة جنوب الحوض، حدوث نزيف في أوساط الكفاءات وأصحاب المؤهلات، هذا النـزيـف يحمل اسم "هجرة الأدمغة".
لكن، هناك من الدروس والعبر ما أصبح لا يناقش ولا يجادل فيه، بل صار من المسلمات والبديهيات:
1. ارتفاع عدد المهاجرين ارتفاعا محسوسا عبر العالم خلال العشريات الثلاث الأخيرة، وهذا أمر يخص كل البلدان المتوسطية، باستثناء بعض الخصوصيات.
2. عولمة التبادلات وتكتل الاقتصاديات من العوامل التي تشجع حرية حركة الأشخاص والبضائع، وتتفاقم بفعلهما ظاهرة هجرة السكان.
3. العامل الحاسم والمؤثر في حركات الهجرة هو الهوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية التي صارت تتوسع بين الأمم الغنية والبلدان السائرة في طريق النمو، والتي، إن استمرّت على هذا النحو، ستحول دون إمكانية التحكم في حركات الهجرة، قانونية كانت أو غير قانونية.
4. العامل الحاسم الآخر في هذه الظاهرة هو عامل النمو الديمغرافي الذي يصنع الفرق والاختلاف بين البلدان التي تستقبل المهاجرين والبلدان الأصلية.
5. كثيرا ما يهاجر السكان بلدانهم الأصلية لظروف اقتصادية، أو اجتماعية أو سياسية صعبة، نحو بلدان يواجهون فيها كل أشكال الاستغلال. فهم بذلك، ينتقلون من وضعية هشة في بلدانهم الأصلية إلى وضعية أكثر هشاشة في البلدان التي تستقبلهم.
6. إن الحلول ذات الطابع الاجتماعي والإنساني التي قد نواجه بها هذه الإشكالية تكتسي في نظري، نفس الأهمية التي تكتسيها الحلول التي قد تميلها الأطر القانونية السارية في الدول المعنية، بل قد تكون أكثر أهمية منها.
على أية حال، أرى أنه لا يمكن الفصل بين الحلول القانونية والحلول الاجتماعية والإنسانية، وكل ما قد نوفق في تحقيقه على درب إعطاء العولمة وجها إنسانيا كفيل بأن يخفف من معاناة المهاجرين.
واعتقد أن الكثير من بلدان الجنوب المتوسطي تتقاسم
نفس المفهوم لإشكالية الهجرة، وهو، على أية حال، المفهوم الذي تتبناه الجزائر.
وإذا كانت المجموعة الدولية تولي اهتماما متزايدا وملحا لهذا الموضوع وصارت تبدي
قلقها إزاء الوضع المستمر في هذا الشأن، فإنه من الطبيعي أن يتجنّد منتدى الـ 5+5
لبحثه ودراسة كافة أبعاده، وذلك في إطار تعاون وثيق بين حكومات كافة البلدان
المعنية من بلدان حوض المتوسط وكذلك بين برلماناتها.