المجلس الشعبي الوطني
المؤتمر الخامس لرؤساء
البرلمانات الأورو- متوسطية
كلمة السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري
جلسة العمل الثانية
--------
أيتها السيدات، أيها السادة،
أغتنم هذه الفرصة السانحة لأنوه وأشيد بالعمل المتميّز الذي يقوم به السيد PAAVO LIPPONEN على رأس هذه الهيئة الموقّرة، متمنيا أن تتوّج أشغالنا تحت رئاسته بالتوفيق والنجاح.
السيد الرئيس،
أيتها السيدات، أيها السادة،
إن التحديات التي تهمّ مستقبلنا مرتبطة بالقضايا الجوهرية المتمثلة في السلم والأمن والاستقرار في المنطقة الأورو-متوسطية، هذه المسائل التي لا يمكن فصلها هي الأخرى عن مسائل التنمية في نفس هذا الفضاء.
إن الدروب المؤدية إلى السلم والأمن والاستقرار موجودة، وإن كانت وعرة، ومحفوفة غالبا بالصعوبات وتتطلّب أحيانا طول النّفس، هذه الدروب سطّرها مسار برشلونة بكلّ الأبعاد والمشاريع التي يحملها، ورسم معالمها حقّ الشعوب في اختيار مصيرها بكل حرية، وهي تفترض قيام حوار بين الثقافات والحضارات والدّيانة، وهي تفترض أيضا أن ينعم الجميع بالكرامة والعدل وأن ينال الكلّ حقّه وبالتساوي، من التقدّم الإنساني على الصعيد الأورو-متوسطي، وهي تستمدّ متانتها من تلك الفرص الهائلة التي يوفّرها التعاون الأورو-متوسطي في أبعاده الثنائية ومتعدّدة الأطراف والإقليمية والجهوية، وكذا من إجراءات الثقة كنزع السلاح والتخلي طوعا عن نية الهيمنة العسكرية، مع الاحتفاظ بحقّ كلّ بلد في إضفاء المصداقية على القوانين التي تسنّها بحفظ الأمن الداخلي وحقّه في الدفاع عن نفسه عند الحاجة.
إنّ الجزائر التي وقّعت على اتفاقية أوتاوا، تريد أن تقدّم المثال، بحيث أنّها البلد الأول الذي يَقضي، قبل استحقاق أجل أبريل 2006، على كامل مخزون الألغام المضادة للإنسان الذي يمثل إجمالا 150.050 لُغما، وهذا بغض النظر عن المآسي التي لازالت تُسبّبها للسكّان ثلاثة ملايين من الألغام المزروعة في أراضيها منذ الحقبة الاستعمارية.
السيد الرئيس،
أيتها السيدات، أيها السادة،
إن إجراءات الثقة التي يتسنّى لكل واحد اتخاذها، وإقرانِها مع الحوار والتشاور في إطار دائم، تُشكّل المساعي عينُها التي تتجلّى من خلالها الإرادة السياسية الضرورية التي تمكّن من القضاء على بؤر التوتر والنزاعات العديدة التي لازالت وللأسف تسُد الفضاء الأورو-متوسطي.
إن السلم والأمن في كامل الفضاء الأورو متوسطي لا ينفصلان عن عودة الإستقرار في منطقة الشرق الأدنى والأوسط، من خلال تشجيع كل ما من شأنه أن يسهم في تحقيق سيادة حقيقية لشعوب هذه المنطقة وتكريس حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية في الكرامة والوطن وإقامة دولة .
السيد الرئيس ،
أيتها السيدات، أيها السادة،
إن قضايا السلم والأمن من حيث أنها تسهم بقوة في صنع النظام الإجتماعي في الدولة وإستمراره، ومن حيث أنها تتحكّم في الإستقرار الذي يفترضه هذا النظام، فإنها تثير القلق والآمال والمخاوف مثلما تفتح الباب أمام تولد المصالح، بالنظر إلى الإستراتجيات السياسية المختلفة التي تحملها.
إن الجزائر التي خاضت لوحدها معركة ضارية ضد الإرهاب ودفعت من أجل ذلك الثمن الباهض، نبهت وحذرت منذ البداية الرأي العام الدولي من أخطار هذه الآفة، إلا أن العالم لم يقدر جسامة التهديد إلا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وأحداث مدريد وبالي وشرم الشيخ ومراكش ولندن وغيرها كثير، وللأسف من الأحداث الدامية.
وقد قامت الجزائر بسن قانون جديد حول الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، وهو القانون الذي جاء ليكمل مجموعة الأدوات القانونية التي تزودت بها العدالة في بلدي من أجل مكافحة الإرهاب.
والجزائر تأمل أن يندرج هذا النص القانوني ضمن إطار مكافحة الإرهاب نتمنى أن يكون أوسع وأشمل وخاليا من كل خلط بين المفاهيم مثلما نتمنى أن يتوخى تجانسا أكبر على صعيد الأمم الأورو متوسطية.
إن التجربة تبين لنا اليوم أن مكافحة هذه الآفة الجديدة، آفة الإرهاب، يجب أن تكون شاملة وأن تخوضها الأسرة الأورو-متوسطية، كأسرة تحمل نفس القيم وتتطلع إلى نفس الآمال فحسب، بل المجموعة الدولية قاطبة، ذلك أن الإرهابـ تلك الظاهرة العابرة للحدود التي إستغلت لنفسها المبادئ ذاتها التي تقوم عليها العولمة، يقتضي إعتماد إستراتيجية عالمية من أجل القضاء عليه.
إن إستراتيجية مكافحة الإرهاب يجب أن تهتم أيضا بالجوانب الوقائية لهذه المسألة، لأنه يتعين العمل، وهذا دور الدول وهو أيضا دور البرلمانات الأورو-متوسطية والأسرة الدولية برمتها،على القضاء على ما من شأنه أن يتسبّب في إنتاج الظلم والفوارق والكبت والإقصاء وإنكار الحق، وهي كلّها عوامل كثيرا ما يتغذى منها التطرف بكل أشكاله أو تعمل على تأجيج الحقد الإنساني بكل ما يواكب ذلك من تعصب وعنف.
السيد الرئيس،
أيتها السيدات ، أيها السادة،
إن المبادرات السياسية الرامية إلى استعادة الوئام المدني والمصالحة الوطنية يمكن أيضا أن تفيدنا وأن تستغل في إطار مساعينا ، لاسيما عندما تكون دولة ما واجهت لفترة طويلة نزاعا داخليا، والجزائر التي زكّت في استفتاءين وطنيين مسعى الوئام المدني عام 1999، ثمّ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية يوم 29 سبتمبر المنصرم، مستعدّة بأن تتقاسم مع من يرغب في ذلك الدروس والعبر التي استخلصتها من التجربة التي مرّت بها و الدرب الذي انتهجته من أجل أن يسود مجدّدا السلم والاستقرار في ربوع بلادنا.
وعلى صعيد أشمل، فإن التقارب بين الشعوب الأور-متوسطية من خلال الحوار بين ثقافاتهم وحضاراتهم هو في صميم كلّ التحدّيات، لأن الإحساس بالإجحاف إزاء ما قد يُقدّم من حلول للمسائل الحساسة، من شأنه أن يولّد، وللأسف كل أنواع التطرف.
إن النظام الأممي للأمن المشترك الذي شيّدته الأسرة الدولية بجهود مضنية والذي استجمع مكتسبات معتبرة خلال خمسين سنة من عمره، يجب أن يثمّن لاسيما عندما يتعلق الأمر بأمهات القضايا مثل السلم بين الشعوب.
هذا، ويتعيّن على برلمانات بلداننا وعلى المجالس البرلمانية في منطقتنا وعلى الاتحاد البرلماني الدولي، بالتعاون الوثيق مع مجلس الأمن الأممي بصفته الضامن للسلم والأمن الدوليين، أن يرسموا لأنفسهم تطلعات تكون في مستوى الشرعية التي يتمتعون بها، و من أجل الإسهام في تقدم قضايا السلم والأمن والاستقرار في إطار القانون الدولي.
السيد الرئيس،
أيتها السيدات ، أيها السادة،
عشية القمة التي ستحتضنها هذه المدينة الفاتنة، مدينة برشلونة، أمنيتي أن تتحول ، مبادراتكم، سيدي الرئيس، وكل الروابط التي سيتم إرساؤها في إطار ها المؤتمر، إلى باقة من الأواصر تربط كل الإرادات الطيبة في منطقتنا وتعبر حدود النسيان واللامبالاة وتشيّد جسورا جديدة بين مؤسساتنا التشريعية وشعوبنا من أجل أن تتقدّم القضايا النبيلة، قضايا السلم والتعاون وأمننا المشترك.
أشكركم.